مهدي آل عثمان
في خضم المشهد الإقليمي المتوتر، حيث تتسارع الأحداث وتتشابك خيوط السياسة بالنار والدخان، يبرز موقف المملكة العربية السعودية بوصفه نموذجاً فريداً في إدارة الأزمات، قائماً على الحكمة، وضبط النفس، وطول البال. ومع تصاعد المواجهة بين إسرائيل وإيران، وتزايد احتمالات اتساع دائرة الصراع بتدخلات دولية مباشرة، ظلت الرياض متمسكة بثوابتها التي لم تتغير: الدعوة إلى التهدئة، وتغليب الحلول السياسية، وتحذير المنطقة والعالم من مغبة الانزلاق إلى حرب لا رابح فيها.ومن هنا تتجلى دلالة العنوان الذي تقدم: «اللي أشعلها يطفيها»؛ فالمملكة لم تكن يوماً طرفاً في إشعال فتيل الصراعات، بل كانت دائماً في موقع من يسعى لإطفائها، عبر مبادرات سياسية، وقنوات دبلوماسية، ورؤية استراتيجية تدرك أن الحروب تبدأ بقرار، لكنها لا تنتهي إلا بخسائر تمتد لعقود.
لقد قرأت القيادة السعودية المشهد بوعي مبكر، حين حذرت مراراً من خطورة استمرار التوتر في المنطقة، ومن تداعيات البرنامج النووي الإيراني على الأمن الإقليمي والدولي، ولم تكن تلك التحذيرات مجرد مواقف إعلامية، بل كانت تعبيراً عن إدراك عميق بأن أي مواجهة مفتوحة ستجعل دول المنطقة في مقدمة المتضررين، بينما تستطيع القوى الكبرى إعادة ترتيب أوراقها والانسحاب متى شاءت.وهنا يتجلى بُعد نظر القرار السعودي؛ فالقوة ليست في الاندفاع نحو المواجهة، بل في القدرة على تجنبها حين تكون نتائجها كارثية. لقد أدركت المملكة أن الدخول في حرب مباشرة سيحول الخليج إلى ساحة صراع مفتوحة، ويعرض مكتسباته التنموية والاقتصادية للخطر، ويمنح الآخرين فرصة إدارة المعركة من بعيد، بينما تبقى دول المنطقة في مواجهة النار.
إن ضبط النفس الذي انتهجته السعودية لم يكن موقفاً سلبياً أو تراجعاً، بل كان قمة الفعل السياسي الناضج، لأنه نابع من رؤية دولة تقود مشروعاً حضارياً وتنموياً ضخماً عبر رؤية السعودية 2030، مشروع يقوم على الاستقرار، وجذب الاستثمارات، وتنويع الاقتصاد، وبناء الإنسان. وكل ذلك لا يمكن أن يتحقق في بيئة مشتعلة بالصراعات.
كما أن هذا الموقف يعكس فهماً عميقاً لطبيعة التحالفات الدولية، فالتاريخ الحديث مليء بالشواهد التي تؤكد أن الدول الكبرى تخوض الحروب وفق مصالحها، وتغادرها حين تتغير تلك المصالح، بينما تبقى الجغرافيا لدول المنطقة، وتبقى معها تبعات الحرب الاقتصادية والأمنية والاجتماعية. ولذلك كان القرار السعودي قائماً على حماية الوطن أولاً، وصون مقدراته، وعدم الانجرار إلى معارك بالوكالة أو حروب مفتوحة.
لقد عملت المملكة طوال السنوات الماضية على ترسيخ مفهوم الأمن الإقليمي الشامل، القائم على الحوار والتفاهم، وليس على التصعيد والمواجهة. ورأينا كيف دعمت مسارات التهدئة، وفتحت قنوات التواصل، وسعت إلى بناء علاقات متوازنة تخدم الاستقرار، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن أمن المنطقة مسؤولية مشتركة، وأن التنمية لا تزدهر في ظل الصواريخ والطائرات المسيرة.
وفي الوقت ذاته، لم يكن هذا النهج على حساب قوة المملكة أو مكانتها، بل على العكس، فقد عزز من صورتها بوصفها دولة عاقلة تقود ولا تُقاد، وتُقدر العواقب قبل اتخاذ القرار، وتوازن بين الحزم والحكمة. فالسعودية اليوم ليست مجرد دولة مؤثرة إقليمياً، بل لاعب رئيس في معادلة الطاقة العالمية، وشريك أساسي في الاقتصاد الدولي، ومحور في صناعة الاستقرار.
إن الرسالة التي يقدمها الموقف السعودي للعالم واضحة: أن القيادة الحقيقية ليست في إشعال الحروب، بل في منعها، وأن حماية الأوطان لا تكون بالمغامرات غير المحسوبة، بل ببناء القوة الشاملة سياسياً واقتصادياً وتنموياً. فالدولة التي تنشغل بمستقبل شعبها لا يمكن أن تُستدرج بسهولة إلى صراعات تستنزف مواردها وتؤخر مشاريعها.
ومن يقرأ المشهد بعمق يدرك أن ما قامت به المملكة هو الخيار الأكثر ذكاءً؛ لأنها أبقت لنفسها مساحة الحركة السياسية، وحافظت على توازن علاقاتها الدولية، وفي الوقت ذاته جنّبت المنطقة سيناريوهات كانت ستقود إلى فوضى شاملة. وهذا هو جوهر القيادة الرشيدة التي تفكر بعقل الدولة لا بعاطفة اللحظة.
لقد أثبتت السعودية أن طول النفس ليس ضعفاً، بل هو أحد أشكال القوة الاستراتيجية، وأن الصبر السياسي في لحظات التوتر يحقق من المكاسب ما لا تحققه المواجهات العسكرية. كما أثبتت أن من يسعى لإشعال الفتيل عليه أن يتحمل مسؤولية إطفائه، أما الدول التي اختارت طريق البناء والتنمية، فمن حقها أن تحمي مشاريعها الوطنية من عبث الصراعات.
وفي ظل عالمٍ يموج بالتغيرات، تبقى المملكة نموذجاً للدولة التي تدير أزماتها بعقلانية، وتتعامل مع التحديات برؤية بعيدة المدى، وتؤمن أن الاستقرار هو الطريق الوحيد نحو المستقبل.
فمن أشعلها عليه أن يطفيها... أما السعودية فقد اختارت أن تُطفئ نار الفتنة بالحكمة، وأن تحمي المنطقة بمنطق الدولة، لا بمنطق الحرب
ولعل الذاكرة السياسية تستحضر هنا مقولة الأمير سعود الفيصل -رحمه الله- التي أصبحت منهجاً لا مجرد تصريح: «لسنا دعاة حرب، لكن إذا فُرضت علينا فنحن جاهزون لها.» فالمملكة بين حكمة التهدئة وجاهزية الحسم.
حفظ الله بلادنا المملكة العربية السعودية من كل سوء ومكروه وجميع بلاد المسلمين.