صالح الشادي
منذ تأسيس إيران الحديثة، شهدت طهران ثلاثة تحولات جذرية في بنية الحكم.
الأول كان عام 1925 عندما أسس رضا خان الأسرة البهلوية بعد انقلاب عسكري، في محاولة لبناء دولة حديثة على حساب النفوذ القبلي والديني، لكنها اتسمت بالاستبداد والتبعية للغرب.
أما المحطة الأكثر دموية وتأثيراً فكانت عام 1953، عندما أطيح برئيس الوزراء المنتخب محمد مصدق بانقلاب أميركي- بريطاني بعد تأميمه للنفط، وأعيد الشاه إلى الحكم، مما رسخ شعوراً عميقاً لدى الإيرانيين بأن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يأتي عبر الإرادة الشعبية ما دامت القوى الخارجية تتحكم بالمصير.
هذا الأمر كان الوقود الرئيس لثورة 1979، التي لم تكن مجرد انتفاضة دينية، بل ثورة شعبية عارمة جمعت الإسلاميين واليساريين والقوميين ضد نظام الشاه. غير أن رجال الدين بقيادة الخميني كانوا الأكثر تنظيماً، فاستولوا على السلطة وأسسوا الجمهورية الإسلامية، وهي تجربة جمعت بين الجمهورية المنتخبة والولاية المطلقة للفقيه، مع رفض شرقي وغربي صارم.
خلال سنوات الحرب مع العراق، تلقى النظام دعماً لوجستياً وسياسياً من عدة أطراف، أبرزها سوريا التي انفردت بموقفها الداعم لإيران في العالم العربي، إضافة إلى تسليحه عبر شبكات غير رسمية وعلاقات متطورة مع كوريا الشمالية في مجال الصواريخ، كما شهدت تلك الفترة تقاربا ملحوظا مع إسرائيل في صفقات سرية عُرفت لاحقاً بإيران- كونترا. بعد وفاة الخميني عام 1989، تسلم خامنئي الحكم لأكثر من ثلاثة عقود، ثبت خلالها نظام ولاية الفقيه عبر توسيع صلاحيات الحرس الثوري وقمع كل حراك، من طلاب 1999 إلى الحركة الخضراء 2009 وانتفاضة مهسا أميني 2022، متحالفاً مع الصين وروسيا لمواجهة العزلة.
اليوم، وبعد التأكد من مقتل خامنئي، تدخل إيران منعطفاً وجودياً هو الأكثر غموضاً منذ 1979.
التقييمات لا ترجح سيناريو وحيداً، بل تضع ثلاثة احتمالات رئيسة. الأول هو استمرار النظام عبر تعيين أحد رجال الدين المقربين، لكن هؤلاء يفتقرون إلى الهيبة الشعبية التي كانت للخميني أو حتى خامنئي، وقد يواجهون تمرداً شعبياً مبكراً.
السيناريو الثاني، وهو الأكثر ترجيحاً، هو الانقلاب الناعم أو العلني للحرس الثوري.
فالحرس لم يعد مجرد قوة عسكرية، بل كيانات اقتصادية وسياسية تملك مفاصل الدولة، وقد لا يقبل ببقاء رجل دين مدني على رأس السلطة في لحظة فراغ، مما قد يحول إيران إلى ديكتاتورية عسكرية صرفة، أقل التزاماً بالأيديولوجيا الدينية وأكثر قسوة في القمع.
السيناريو الثالث، وهو الأكثر تعقيداً، هو الانهيار الكامل للنظام، حيث تستغل الجماهير الغاضبة الفراغ لقلب الطاولة، لكن ذلك يعتمد على مدى توحد المعارضة وعدم تدخل القوى الخارجية، وهو ما يبدو مستبعداً في ظل الانقسامات العرقية والسياسية العميقة داخل المجتمع الإيراني.
يبقى السؤال الكبير: هل يمكن لنظام ولد من رحم الاحتجاجات أن ينجو من سقوط زعيمه الأقوى، أم أن الفراغ سيفتح الباب أمام تحول دراماتيكي يعيد تشكيل المشهد من جديد؟