هدى بنت فهد المعجل
في شوارع مدننا، لا تسير الوجوه وحدها؛ تمشي معها مقاييس خفية، كأن الناس يحملون في أعينهم مساطر تقيس القَبول، وتزن القيمة بميزانٍ لا يُرى. صار المظهر جواز عبورٍ إلى القلوب، وصار اللباس بطاقة تعريفٍ تختصر الإنسان في لونٍ وقَصّةٍ وعلامةٍ تجارية. من لا يتقن لعبة الصورة، يُترك على هامش المشهد، ولو كان في داخله بحرٌ من المعاني.
تغيّر المجتمع حين تحوّلت المرآة من أداةٍ للترتيب إلى محكمةٍ للنطق بالأحكام. لم يعد السؤال: من أنت؟ بل: كيف تبدو؟ وكيف تُرى؟ في منصاتٍ تتسابق فيها الصور، صار الإنسان مشروع عرضٍ دائم، يعتني بإضاءته أكثر مما يعتني بصدق صوته. يبتسم للصورة ولو كان قلبه مُثقلاً، ويُحسن اختيار زاوية الالتقاط أكثر من اختياره زاوية الصواب.
وهنا تكمن الحكاية. ليست المشكلة في الجمال، فالجمال فطرة، ولا في التأنق، فالأناقة ذوق. إنما العِلّة حين يصبح الشكل بديلاً عن الجوهر، وحين نُقايض القيم بالانطباعات. كم من صاحب مبدأٍ هادئٍ لا يلفت الأنظار، لكنه يرفع سقف الأمان حيثما حلّ. وكم من بريقٍ عابرٍ يخطف الأبصار، لكنه لا يُضيء عتمةً ولا يواسي قلبًا.
في البيوت، يكبر الأبناء على رسائلٍ صامتة: «كن جميلاً تُحبّ، وكن لامعًا تُذكر». في المدارس، تُكافأ الجرأة على المنصة أكثر من الصدق في الخفاء. في العمل، قد يسبقك من يُجيد التسويق لنفسه، ولو كان عطاؤه أقل. هكذا تتشكّل طبقاتٌ من الوهم، نرتديها حتى ننسى ملامحنا الأولى.
ومع ذلك، يبقى في المجتمع خيط نورٍ لا ينقطع. ترى امرأةً بسيطة المظهر، عظيمة الأثر، تعبر الحياة بأفعالها لا بصورها. ترى شابًا لا يتقن صناعة الانطباع، لكنه يتقن الوفاء، فإذا غاب افتقدته الأماكن. هؤلاء لا تصنعهم العدسات، بل تصنعهم المواقف. يخطئون ويصيبون، لكنهم لا يبدّلون وجوههم كلما تبدّل الضوء.
الحكمة أن المظهر باب، لكنه ليس بيتًا. قد يفتح لك الباب، لكن ما يُبقيك في القلوب هو ما تحمله من صدقٍ وعدلٍ ورحمة. الصورة قد تجمع حولك العيون، أما الخُلُق فيجمع حولك القلوب. والعيون سريعة الملل، أما القلوب فلا تملّ ممن يُشبهها في الطمأنينة.
فلنراجع معيارنا ونحن نحكم. لنسأل: ماذا يبقى من هذا الإنسان إذا أطفأنا الضوء؟ إذا سقطت الزينة وبقيت الحقيقة، هل نطمئن؟ لأن الحياة لا تُدار بفلاتر، ولا تُختصر في إطار. يومٌ ما، سنجلس بعيدًا عن الشاشات، نحصي أثرنا لا عدد إعجاباتنا. سنكتشف أن الكلمة التي قلناها في وقتها كانت أجمل من ألف صورة، وأن يدًا امتدت بالعون كانت أبلغ من ألف منشور.
ليس المطلوب أن نهجر الجمال، بل أن نُعيده إلى مكانه الصحيح: تابعًا للجوهر لا قائدًا له. أن نُحسن المظهر من غير أن نُهمل المخبر، وأن نُجيد العرض من غير أن نخون المعنى. فالمجتمع الذي يُقدّس الصورة وحدها، يُخاطر بأن يخسر إنسانيته. أما المجتمع الذي يزن الناس بميزان القيم، فيبني عمقًا لا تهزه موضة، ولا تُسقطه موجة.
تذكّروا: ما يُلمع قد يبهت، وما يَصدق يبقى. وبين البهتان والبقاء، تُكتب سيرة الإنسان.