د. محمد بن أحمد غروي
تتشابه العديد من دول جنوب شرق آسيا مع الدول العربية والشرق الأوسطية في تقدير قيمة الأسرة والروابط العائلية، باعتبارها أحد أبرز وأهم أركان العلاقات الاجتماعية في هذه الدول، بل نواة المجتمعات في دول جنوب شرق آسيا. ويجيء شهر رمضان الكريم ليكون فرصة لجمع الشمل العائلي وتعميق الروابط الأسرية، حيث تجتمع العائلات والأصدقاء لتناول الطعام والصلاة معاً في دول جنوب شرق آسيا كما في الدول العربية أيضًا. تتضح قيمة الأسرة في دول آسيان من خلال كونها جوهر كل شيء في مجتمعات هذه الدول وخاصة دول ماليزيا وإندونيسيا وبروناي والفلبين وتايلاند. وفي ماليزيا يُنظر إلى العائلة على أنها الوحدة الأساسية، يمكن أن يؤثر فعل الفرد على تصور الأسرة بأكملها من قبل الآخرين ومصالح الأسرة تحل محل مصالح الفرد، كما أن الروابط التي يحتفظ بها الشخص الماليزي مع العائلة الممتدة في الخارج أقرب بكثير من تلك التي يحتفظ بها معظم الناس في المجتمعات الغربية. ويولي المجتمع الماليزي مكانة مميزة وتقدير عالٍ لأصحاب السن الكبير في العائلات.
وفي إندونيسيا، يولي الشعب الإندونيسي اهتمامًا كبيرًا بالأسرة، وتحمل أهم معاني الثقافة الإندونيسية، كما تتميز العلاقة بين كل فرد من أفراد الأسرة بكونها وثيقة. ويلعب الآباء، دورًا مهيمنًا للغاية في الأسرة. ولا يُنظر إلى طلب رأي الوالدين وإذنهما على أنه شكَّل من أشكال التبعية، بل كشكل من أشكال الاحترام تجاههما، حيث يُعتبران أكثر خبرة في الحياة. ومن الشائع جدًا في إندونيسيا أن يعيش الأطفال مع والديهما حتى بعد زواجهم. وفي الثقافة الإندونيسية، تعد التجمعات مع العائلة الكبيرة أمرًا شائعًا للغاية، إذ يميل الإندونيسيون إلى الشعور بالامتنان لقريتهم أو مسجدهم أو المجتمعات الكبرى التي ينتمون لها.
في ماليزيا يُنظر إلى رمضان باعتباره شهرًا للتجمع العائلي وإحياء الروابط الاجتماعية، حيث تحرص العائلات على الاجتماع حول مائدة الإفطار خاصة في عطلات نهاية الأسبوع. وغالبًا ما يتم إعداد الطعام بشكل جماعي داخل المنزل ثم توزيعه على الجيران والأقارب، وتعكس هذه المشاركة فكرة أن رمضان ليس عبادة فردية، بل تجربة عائلية جماعية في ماليزيا.
كما أظهر استطلاع لإحدى الشركات الماليزية بالنظر إلى عاداتهم الغذائية خلال هذه الفترة، أن قرابة 60 % من الماليزيين يقضون وقتاً أطول في تناول الطعام في المنزل مقارنة بتناول الطعام في الخارج، مما يشير إلى أن المزيد من الناس يتناولون الطعام في المنزل مع عائلاتهم، مع وجود نسبة أعلى من أولئك الذين يتناولون الطعام في الخارج يفعلون ذلك مع الأصدقاء والمعارف بدلاً من أفراد الأسرة فقط.
وفي بروناي، تُقام أنشطة رمضانية خاصة بالمجتمع، بما في ذلك الإفطار اليومي في المساجد والمناطق العامة. ومن الشائع أيضًا أن تجتمع العائلات معًا للإفطار وصلاة التراويح. وخاصة خلال اليوم الأول من شهر رمضان. في بروناي، عادة ما يجتمع المسلمون مع عائلاتهم لمشاركة وجبة السحور قبل الفجر، ثم لتناول وجبة الإفطار، وغالبًا ما يكون هذا وقتاً مليئاً بالاحتفال والبهجة.
وفي المحافظات الجنوبية بتايلاند، باتاني ويالا وناراثيوات وساتون الجنوبية، حيث يتركز غالبية المسلمين، تخرج جماعات النساء قبل الإفطار ويجلسن أمام منازلهن لتناول الإفطار معًا، فيما يجتمع الرجال ولا يأكلون من طعام زوجاتهم ولكن يتناولون الطعام الذي أعدته زوجات الرجال الآخرين. ويتحوّل الإفطار إلى احتفال جماعي وتعجّ المساجد والمنازل بالحركة والنشاط، حيث تجتمع العائلات لتناول التمر ثم وجبة الإفطار، كما تتبادل العائلات الأطعمة الرمضانية تعبيرًا عن التضامن والمحبة، وهي عادة تشبه تقاليد رمضان في كثير من الدول العربية.
ويتميز شهر الصيام في الفلبين بتنظيم برامج الإفطار الجماعية بين العائلات والجيران. ويتكرر عدد من الأطباق والمأكولات الشائعة في شهر رمضان مثل التمور التي تُهدى بين الأصدقاء أو من المساجد إلى العائلات، إلى جانب اعتبار الأرز عنصرًا رئيسيًا في الإفطار بالفلبين.