منصور بن صالح العُمري
حينَ يَميلُ ظِلُّ العُمُر، وتَخبو شمسُ الشَّبابِ خلفَ تِلالِ السنين، لا يَنطفئُ الضياء ساعةً ويعود أخرى، بل يَتَحوّلُ إلى نورٍ دائم؛ يسكنُ العينين بصيرةً، ويستقرُّ في القلب يقينًا، وتطمئنُّ به الجوارحُ وقارًا ، ويشع حكمةً عند المواقف. هناك، نُوَدِّعُ فَوْرَةَ الصِّبا لا شوقًا إليها، بل زُهدًا في ضجيجها؛ فقد آنَ للزحامِ أن يَتفرق، وللرّوحِ أن تستكينَ في دربِ طُمأنينتها.
فأهلاً بالمشيب.. ذاك الضيفُ الجليلُ الذي لا يطرقُ البابَ إلا ليمنحَ الرأسَ تاجَ الهيبة. نُجلِسُه في صدرِ المجلس، نُوسِدُه مِسندَ الوقار، ونُطفئُ خلفه قناديلَ الغرورِ الزائف. لم يَعُد الشيبُ عدوًّا يُطارِدُ الملامح، بل صارَ مقدَّمَ المجلس في الصدور، يُشيرُ بإصبعه إلى مرافئِ النجاة.
متكئًا على مسندِ الحكمة، يلتفتُ المشيبُ إلى ما خلّفه وراءه؛ فيرى ملاعبَ اللهو وعثراتِ الجهل، لا بعينِ الشوق، بل بعينِ التوبة التي بلّلها دمعُ الاستغفار. يُطفئُ اشتعالَ الندمِ بماءِ «يا رب»، ويَطوي دفاترَ الغفلةِ بخَتمِ الإنابة، كأنَّ كلَّ خصلةِ بياضٍ صفحةٌ جديدة، كُتِب في صدرها: عفا اللهُ عمّا سلف.
أيًّا يكن ما خلّفتَ وراءك، فإن عفوَ ربك كفيلٌ بمحوِه إذا أحسنتَ الطلب.وأياً كان ما ترجوه في حاضرك ومستقبلك، فنظرة لطف من الله تأتي به هي فرصةٌ يمنحها الكريمُ لمن آبَ إليه؛ فلا تُهدِرها، فقد تكون نجاتك.. أو حسرتك.
ثم يَرنو ببصره -شغفًا يخالطه خشوع- إلى ما أمامه وما تبقّى من الرحلة؛ لا شغفَ الطامعِ في دنيا زائلة، بل شغفَ العارفِ بحقيقة اللقاء. يتطلّعُ إلى الآخرةِ كأرضٍ موعودة، يحرثُ بقيةَ أيامه فيها بذكرٍ لا ينقطع، وصلاةٍ خاشعة، ويقينٍ راسخٍ أن لا قرارَ إلا هناك.
إنه إجلاسُ الوقار في مقعدِ صدق؛ حيثُ يتصالحُ الإنسانُ مع مرآته، ويوقنُ أن بياضَ الشعرِ ليس غبارَ السنين، بل نورُ اللطف الذي يُضيءُ خاتمته.