رسيني الرسيني
نادراً ما تكون الأزمات الجيوسياسية أحداثًا عسكرية فحسب؛ فهي في جوهرها لحظات تعيد ترتيب جدول المخاطر العالمي. فحين يُهدَّد ممر بحري إستراتيجي مثل مضيق هرمز، لا يتغير سعر النفط وحده، بل تتغير معه تكلفة التأمين، وشروط التمويل، وسلوك المستثمرين، وحتى قرارات البنوك المركزية. فالاقتصاد الحديث قائم على افتراض استمرارية التدفق: تدفق الطاقة، وتدفق السلع، إذ يكتسب مضيق هرمز هذه الحساسية الاستثنائية لكونه أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، إذ يمر عبره يوميًا نحو خُمس الاستهلاك العالمي. ولهذا فإن أي تهديد - حتى وإن كان مؤقتًا - لا يُقرأ بوصفه حدثًا إقليميًا فحسب، بل باعتباره صدمة محتملة للنظام الاقتصادي العالمي بأكمله.
الأسواق لا تنتظر إغلاقًا فعليًا كي تتفاعل؛ فهي تتحرك وفق التوقع. ولهذا فإن أي اضطراب محتمل في طرق الطاقة الحيوية ينعكس فورًا في علاوات المخاطر، ويرفع تكلفة الشحن، ويزيد احترازية المستثمرين. هذه الظاهرة تُعرف اقتصاديًا بإعادة تسعير المخاطر، حيث لا يتغير المعروض الفعلي بالضرورة، لكن تتغير تكلفة عدم اليقين. وفي عالم مترابط، قد ينتقل أثر هذا التسعير من مضيق بحري إلى أسواق ديون بعيدة، ومن شركات شحن إلى قرارات استثمار صناعي في دول أخرى. فالمسألة لا تتعلق بممر بحري فقط، بل بدرجة اعتماد الاقتصاد العالمي على نقاط جغرافية محدودة شديدة الحساسية.
الدول التي استثمرت مبكرًا في بناء أطر تنظيمية وهيكلية ملاءمة، تتجنب الصدمات بكلفة أقل من غيرها. وفي هذا السياق، يبرز مثال عملي على أهمية التخطيط المسبق؛ إذ لا يعني أي اضطراب محتمل في مضيق هرمز بالضرورة توقف قدرة المملكة على تصدير نفطها بالدرجة التي قد يتصورها البعض. فقد طورت المملكة منذ سنوات بنية تحتية بديلة لنقل الطاقة عبر خط أنابيب يربط المنطقة الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر، بطاقة نقل تتجاوز خمسة ملايين برميل يوميًا، ما يقلل من الاعتماد الكامل على أحد أكثر الممرات الملاحية حساسية في العالم ويمنح الاقتصاد مساحة للتكيف عند الأزمات ولو بشكل بسيط.
اقتصاديًا، الأهم من الحدث نفسه هو ما يكشفه عن بنية الاقتصاد. فالأزمات تميز بين اقتصاد يتفاجأ بالمخاطر واقتصاد يبني أنظمته تحسبًا لها. وما يبدو اليوم مرونة في التعامل مع التوترات ليس نتيجة ظرف طارئ، بل حصيلة تراكم طويل من قرارات تنظيمية واستثمارية اتُّخذت في أوقات أكثر هدوءً، حين لم تكن المخاطر في صدارة الاهتمام. وعندما يُعاد تسعير المخاطر عالميًا، يظهر الفرق بين اقتصاد يعتمد على حسن الحظ وآخر يعتمد على حسن الإدارة. فالمسألة ليست فيما إذا كانت المخاطر ستحدث، بل في كيفية استقبالها حين تحدث.
حسنًا، ثم ماذا؟
النضج الاقتصادي لا يقاس بغياب المخاطر والأزمات، بل بامتلاك أدوات لإدارة الأزمات والمرور منها بأقل تكلفة ممكنة.