قُبيلَ أيّامٍ سَعِدتُ منْ هذهِ الصَّحِيفةِ الغَرَّاءِ بنَشرِ مَوضوعٍ عنْ مُحاضَرةٍ أَلقَيتُها مُؤخَّرًا، وسَمْتُها ورَسَمْتُها بـ(الشَّوقِ والحَنينِ لِمدينةِ خَيرِ المُرسَلَينَ) ضِمْنَ سِلْسلةِ المُحاضرَاتِ والنَّدَواتِ والأَبحاثِ الّتي أطلقْتُها تحتَ شِعارِ (نحنُ بِخيرٍ ما دُمْنا في طَيبةَ الطَّيّبةَ) ـ جعلَ اللهُ عَظيمَ أجْرِهِما وثَوابِهما لِمَنْ ألْهَمنِي حُرُوفَهُمَا.
وَاليومَ أعودُ مِنْ خِلالِها لأترنَّمَ حَنينًا، وأهيمَ شَوْقًا مُتَباهِيًا، مُتَسامِيًا بِحُبِّها عاليًا مُردِّدًا: «وَيستمِرُّ الشَّوقُ والحَنينُ إلى مَدينةِ خَيرِ المُرسَلِينَ».
المَدينةُ، وَما أَدْراكمْ ما المَدينةُ؟ مَدينةُ الحُبِّ والجَمالِ بجِوارِ نبيِّ الحُبِّ والجَلالِ.
ومَعَ مَشاعِرِ الشَّوقِ والحَنينِ، الّتي تَتفجَّرُ في كلِّ وَقتٍ وحِينٍ، والّتي جَمعَتْ أعذبَ المَفاخِرِ، وتَرقرقَتْ بها خشوعًا كلُّ القُلوبِ والمَحاجِرِ، عاشَ أهلُ مَأرِزِ الإِيمانِ يَومينَ مَعَ عَضيدِ مَليكِهمْ، وولِيِّ عَهْدِ بِلادِهمْ، قائِدِهم الأميرِ محمّدِ بنِ سَلمانَ، الّذي حلَّ فِيها بكلِّ شَوقٍ وأَدَبٍ وتَحنانٍ، يَتقدَّمُهمْ أميرُهُمُ المتأدِّبُ في المدِينةِ المبَارَكةِ الجَليلةِ، صَاحِبُ السّموِّ المَلَكيِّ الأميرُ سَلمانُ بنُ سُلْطَانَ.
ولَقدْ سَعِدْتُ وجَمعٌ منْ أصحابِ الفَضيلةِ والمَعالِي والسّعَادةِ، منْ أهَالِي مَدينةِ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسلَّمَ بِالسَّلامِ على صاحِبِ السُّموِّ المَلَكيِّ الأميرِ محمَّدِ بنِ سَلْمانَ بنَ عبدِ العَزيزِ، وليِّ العَهدِ رَئيسِ مَجلِسِ الوُزَراءِ، وحضورِ اللّقاءِ بِسُموِّه في قصْرِ أميرِ مَنطقةِ المَدينةِ.
وكَانَ سُمُوُّه -وفّقَه اللهُ- حَفِيَّا بأهْلِ طَيبةَ، جِيرةِ رَسولِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسلَّمَ كعَادَتِه، والبِشرُ يَرتَسِمُ بهاءً على مُحيّاهُ، يُصافِحُ هَذا، ويَبتسِمُ لهَذا، ويَستَمِعُ لآخَرَ، وكأنّكَ تَرى سَكينةَ المَدينةِ وطُمَأْنِينتَها الّتي عُرِفَتْ بِها حَفَّتْ مَجلِسَه وحُضورَه.
وقَدْ سبَقَ هَذا اللِّقاءَ بأَهالِي مَدينةِ خَيرِ الأَنبياءِ أنْ تَشرَّفَ سُموُّه بِزيارةِ مَسجدِ النّبيِّ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ المُبارَكِ، والصَّلاةِ في رَوضتِه الشَّريفةِ عمَلاً بِقَولِه صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ: (ما بَينَ بَيتي ومِنْبري رَوْضَةٌ مِنْ رِياضِ الجَنَّةَ).
ثمّ السَّلام على خَيرِ الوَرَى نَبيِّنَا وسَيِّدِنا محمِّدٍ صلّى اللهُ عَلَيهِ وسلَّمَ بَأدَبٍ وسَكينةٍ، في مَشهدٍ يَليقُ بِذلِكَ المَقامِ.
وكأنّي بِسُموِّهِ وهوَ يُقدِمُ عَلى قَبْرِه الشَّرِيفِ بالتِفاتَةِ شَوقٍ، تَعطَّرَتْ شَبَكاتُ التّواصُلِ بِصُورتِهِ فِيها، فكانَ الأدَبُ والخُشوعُ هناكَ منْ سُمُوِّه في وُقوفِه حَاضِرًا، والشّوقُ والحَنينُ لخيرِ المُرسلِينَ مُشَاهَدًا.
وَلَعلّي أستَحضِرُ في هذا المَقَامِ وَصفَ الْإِمَامِ التَّوَّاقِ لتلكَ البِقاعِ المُبارَكةِ ابْنِ الْقَيِّمِ في نُونِيّتِه الكافِيَةِ الشّافيَة حَالَ الْمُؤْمِنُينَ فِي حُبِّهِمْ وَشَوْقِهِمْ لِنَبيِّهمْ، وَمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْحَنِينِ وَالأَدَبِ فِي مَسْجِدِ حَبِيبِهمْ وقُدْوَتِهمْ بِقَوْلِهِ:
فَإِذَا أَتَيْنَا الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ صَلْـ
ـلَيْنَا التَّحِيَّةَ أَوَّلاً ثِنْتَانِ
بِتَمَامِ أَرْكَانٍ لَهَا وَخُشُوعِهَا
وَحُضُورِ قَلْبٍ فِعْلَ ذِي الْإِحْسَانِ
ثُمَّ انْثَنَيْنَا لِلزِّيَارَةِ نَقْصِدُ الْقَبْـ
ـرَ الشَّرِيفَ وَلَوْ عَلَى الأَجْفَانِ
فَكَأَنَّهُ فِي الْقَبْرِ حَيٌّ نَاطِقٌ
فَالْوَاقِفُونَ نَوَاكِسُ الْأَذْقَانِ
مَلَكَتْهُمُ تِلْكَ الْمَهَابَةُ فَاعْتَرَتْ
تِلْكَ الْقَوَائِمَ كَثْرَةُ الرَّجَفَانِ
وَتَفَجَّرَتْ تِلْكَ الْعُيُونُ بِمَائِهَا
وَلَطَالَمَا غَاضَتْ عَلَى الأَزْمَانِ
وَأَتَى الْمُسْلِمُ بِالسَّلَامِ بِهَيْبَةٍ
وَوَقَارِ ذِي عِلْمٍ وَذِي إِيمَانِ
لَمْ يَرْفَعِ الْأَصْوَاتَ حَوْلَ ضَرِيحِهِ
كَلّا وَلَمْ يَسْجُدْ عَلَى الأَذْقَانِ
كَلّا وَلَمْ يُرَ طَائِفًا بِالْقَبْرِ أُسْـ
ـبُوعًا كَأَنَّ الْقَبْرَ بَيْتٌ ثَانِ
ثُمَّ انْثَنَى بِدُعَائِهِ مُتَوَجِّهًا
لِلَّهِ نَحْوَ الْبَيْتِ ذِي الأَرْكَانِ
هَذِي زِيَارَةٌ مِنْ غَدَا مُتَمَسِّكًا
بِشَرِيعَةِ الإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ
مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ هَاتِيكَ الزِّيَا
رَةُ وَهِيَ يَوْمَ الْحَشْرِ فِي الْمِيزَانِ
وأكَّد ذلكَ الحال والأدب في السلام على صَفْوةِ العَرَبِ الإِمامُ أحمدُ بنُ عِيسَى في «تَوضِيحِ المَقاصِدِ في شَرحِ نونيّةِ ابنِ القَيّمِ»، في تَقريرِه عَنْ شَيْخِ الإِسْلامِ ابنِ تَيميّةَ استِحبابَ زِيارةِ قَبْرِ النّبيِّ صلّى اللهُ عَليهِ وسلَّم، ونَقلِه عنهُ أنّه قَالَ:
«إِذا أشرَفَ على مَدِينَةِ النَّبِي صلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ قبلَ الْحَجِّ أَو بَعدَه... فإذا دخلَ الْمَسْجِدَ بَدَأَ بِرجلِهِ الْيُمْنَى وَقَالَ: بِسمِ اللهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ على رَسُولِ اللهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لي أَبْوَابَ رَحمتِكَ.
ثمَّ يَأْتِي الرَّوْضَةَ بَين الْقَبْر والمِنبرِ، فَيصَلّي بهَا وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ، ثمَّ يَأْتِي قبرَ النَّبِي صلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ فَيستقبِلُ جِدَارَ الْقَبْرِ، وَلَا يَمسُّهُ وَلَا يُقبِّلُه، وَيجْعَلُ الْقنْدِيلَ الّذِي فِي الْقبْلَةِ عِنْدَ الْقَبْرِ على رَأسِه؛ ليَكُونَ قَائِمًا وِجَاهَ النَّبِي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ.
وَيقِفُ متباعِدًا كَمَا يقِفُ لَو ظهَرَ فِي حَيَاتِه بخُشوعٍ وَسُكُونٍ، منكسِرَ الرَّأْسِ غاضَّ الطّرْفِ مُستحضِرًا بِقَلْبِه جلالةَ مَوقفِه، ثمَّ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه، السَّلَامُ عَلَيْك يَا نَبِيَّ اللهِ وَخِيرتَه منْ خَلْقِهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا سيّدَ الْمُرْسلينَ وَخَاتَمَ النَّبِيّينَ، وقائِدَ الغُرِّ المُحجَّلِينَ...
ثمَّ يَأْتِي أَبَا بكرٍ وَعمرَ رَضِي الله عَنْهُمَا، فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا بكرٍ الصّدِّيقَ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا عُمرُ الْفَارُوقَ، السَّلَامُ عَلَيْكُمَا، يَا صَاحِبَي رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلم، وضَجِيعَيهِ، وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاته...».
فمَا أجمَلَ مَشْهَدَ وخُشُوعَ سُموِّ الأميرِ محمَّدِ بنِ سَلْمانَ في ذلِكَ المَوقِفِ، وحَالَه وانكسَارَهُ ومَنْ معَه في تلكَ الرِّياضِ المُنيفةِ، والبِقاعِ الشَّرِيفةِ، في مَسْجدِ خَيرِ الخَليقةِ، الّذي القلبُ منهُ يَرتَجِفُ.
وكيفَ لا يَكونُ الحَالُ ذلِكَ، وهُناكَ تُسكَبُ العَبراتُ، وتَخرُجُ الزَّفَرَاتُ والآهَاتُ، وتُرفَعُ الأكُفُّ بالدَّعَواتِ لِرَبِّ السَّمواتِ.
هناكَ يَكونُ الانكسارُ والخُضوعُ للهِ عُلُـوٌّ، وتَعظيمُ قَدْرِ النّبيِّ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ ومَسجدِه ومَدينتِه سُمُوٌّ.
ومَا هذا إلا مِنْ نَبعِ الشَّوقِ وبَحرِ الحُبِّ الّذِي يَفيضُ في القُلوبِ للمَدينةِ، وما هَذا إلا استجابةٌ منَ اللهِ لدُعاءِ نبيِّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ:
(اللهمَّ حَبِّبْ إِلَينا المَدينةِ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أو أَشَدَّ).
فِي زِيَارَةِ الأَمِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمَانَ لِمَدِينَةِ خَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ كان وَصْفُ الْحَالِ فيها يُغْنِي عَنِ المَقَالِ، فشَوْقُهُ لَهَا ولزِيَارَةِ مسْجِدِهَا وَرَوْضَتِهِ الْمُبَارَكَةِ فِيهَا، وَأَدَبُ وُقُوفِهِ أَمَامَ الْمُوَاجَهَةِ الشَّرِيفَةِ لِقَبْرِ النَّبِيِّ، وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ، وصلاتُه في مَسجِدِ قُبَاءَ، وكلُّ مَا تَقدَّمَ ذِكرُهُ، بِخُشُوعٍ وَسَكِينَةٍ - شاهِدٌ على الشَّوقِ والحَنينِ الّذي استَوْدعَه اللهُ في أمّةِ خاتَمِ النّبيّينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقلوبِ جَميعِ المسلِمِينَ، استجابةً لدُعاءِ نبيِّهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وسلّم الّذِي قالَ فيه: (اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أوْ أشَدَّ).
ومنِ استجابةِ دُعَاءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسلَّمَ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسلَّمَ الّذِي شَرَّفَ هَذِهِ المَدِينةَ بِهجرتِه، وَتَبارَكَتْ بِقُدومِهِ، وَاسْتَنَارَتْ بِدُخولِهِ، وعَظُمَتْ مَكَانَتُهَا وَحَرُمَتْ بِقاعُهَا بِحُلُولِهِ: كَانَ إِذَا خَرَجَ عَنْها اشْتَاقَ إِلَيْهَا، وشَدَّ وجَدَّ السَّيْرَ نَحْوَهَا حُبًّا فِيهَا.
فرَوَى البُخَارِيُّ في صَحيحِهِ عَنْ أَنسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسلَّمَ كانَ إذَا قَدِمَ مِن سَفَرٍ، فَنَظَرَ إلى جُدُرَاتِ المَدِينَةِ أوْضَعَ رَاحِلَتَهُ، وإنْ كانَ علَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا؛ مِن حُبِّهَا».
وهَذا الشَّوْقُ والحَنِينُ لِلمَدينةِ الشَّريفةِ مِنهُ صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّمَ قَدْ تَكرَّرَ؛ فرَوَى البُخارِيُّ ومُسلِمٌ عنْ أبي حُمَيدٍ السَّاعِدِيِّ قالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ في غَزْوَةِ تَبوكَ... ثمَّ أَقْبَلْنَا حتَّى قَدِمْنا وَادِي القُرَى، فقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (إنّي مُسْرِعٌ، فمَنْ شَاءَ مِنكمْ فليُسْرِعْ مَعِي، ومَنْ شَاءَ فَلَيْمكُثْ)، فخَرَجْنَا حتّى أشْرَفْنا عَلَى المَدِينةِ، فَقَالَ: (هَذِهِ طَابَةُ وهَذَا أُحُدٌ، وهوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ).
فَما أجْملَ وَصْفَ هَذِهِ الحَالِ، إِسراعٌ لِلمَدينةِ في التَّرْحَالِ مِنَ الشَّوقِ إِلَيْها، ثمَّ اعتِرافٌ بِالحُبِّ لَهَا.
وهَذِه شَواهِدُ مِنِ استِجابَةِ اللهِ لدُعَاءِ نبيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ بِحُبِّها؛ السّابِقِ: (اللهمَّ حَبِّبْ إِلَيْنا المَدينةَ...).
وَهَذا الدُّعَاءُ دَاخِلٌ فِيهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسلَّمَ ابتِدَاءً وأَصَالةً، وفي أمَّتِهِ بِالتَّبَعيَّةِ لهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وكَمَا قَالَ الإِمامُ القَسْطَلاَّنِيُّ في «إِرشَادِ السَّارِي شَرْحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ»: «وَقدْ أُجِيبَتْ دَعْوتُه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حتّى كَانَ يُحرِّكُ دابَّـتَه إذا رَآهَا؛ مِنْ حُبِّهَا».
وَمَنْ نظَرَ في حَالِ كثيرٍ مِنَ المُسلِمينَ في كلِّ بِقاعِ الأَرْضِ ومِنْ زَائِريها، يَرَى قُلُوبَهمْ مُتَوِلِّعةً شَوْقًا وحَنِينًا إِلَى المَدِينةِ، وتَجِدُ حَالَ سَاكنِيها يَرْفُلُونَ في سَعادةٍ وَسَكِينةٍ، ويَتنعَّمُونَ في رَاحةٍ وَطُمَأْنِينةٍ.
كلُّ ذَلِكَ بِبَركةِ تلكَ الدَّعْوَةِ النَّبَويَّةِ المُبَارَكةِ بِحُبِّها، وبِمَا جاءَ في القُرآنِ، وصَحَّ عنهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في فَضْلِهَا وعَظيمِ مَكَانَتِها، وقَدْرِهَا عِندَ رَبِّهَا.
وعَوْدًا لِمَا عَقَدْتُ حُروفِي هذهِ فِيهِ، فإنَّ سُمُوَّه -وفَّقهُ اللهُ- فِي كُلِّ ذَلِكَ المَشْهَدِ الرَّفِيعِ السَّامِي، كَعَادَتِهِ فِي زِيَارَاتِهِ الْمُتَكَرِّرَةِ لِلْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، خَاصَّةً فِي تَنَقُّلِهِ بِطُمَأْنِينةٍ وسَكينةٍ بَيْنَ رِيَاضِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَوْضَتِهِ الْمُطَهَّرَةِ، وَحُجْرَتِهِ الشَّرِيفَةِ، وَبِقَاعِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ الْمَنِيفَةِ ـ تَجِدُ لَوائِحَ الشَّوْقِ فِيهِ ظَاهِرةً، ومَلامِحَ الحَنِينِ والطُّمَأْنِينةِ في أَسارِيرِهِ بَاذِخةً، وَكيفَ لا يَكونُ ذلِكَ علَيهِ وهوَ في أَرضٍ بَارَكَهَا اللهُ كَمَكَّةَ وَأشَدَّ؛ فبارَكَ مَسجِدَهَا، وجَعَلَها خَيرًا لكُلِّ مَنْ رَامَ خَيْرًا، ومَأْرِزًا للإِيمانِ، ومُهَاجَرًا لصَفْوةِ بَنِي عَدنانَ وقَحْطانَ.
وَمَا لِسَانُ حَالِ كُلِّ مَنْ حَلَّ بتِلْكَ الرِّيَاضِ الْمُنِيفَةِ، وَهُوَ يَنْظُرُ في جَنَباتِ مَسجِدِ النبيِّ ورَوضتِه الشَّريفةِ، فَيَسْتَذْكِرُ مَشْيَه صلّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ وصَلاتَه فيهِ، ووُقوفَه ومجلِسَه وتَعليمَه أصحابَه، وهمْ حوَله ما بَينَ دَاعٍ ورَاكعٍ وسَاجِدٍ، وجِبريلُ يَنزِلُ بالوَحْيِ عَليهِ، ومَا جَاوَرَهَا مِنَ الْحُجُرَاتِ الشَّرِيفَةِ، فهُناكَ تتحرَّكُ الذِّكرَياتُ لأيّامِ خَيرِ البَريّاتِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ.
وهَكذا بَحرُ ونَبعُ الحبِّ للمَدينةِ المنوّرةِ المُنيرةِ الأمينةِ، يَفيضُ بِفَضائِلها الجَليلةِ ومَحاسِنِها الثَّمينةِ، الّتي جَعلتِ القُلوبَ إِليها توَّاقَةً، والنّفوسَ نَحوَها مُشتاقَةً، ولبُلوغِ رِياضِها رَهينةً.
قالَ تعَالَى آمِرًا نبيَّه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا}
قالَ أهلُ التَّفْسيرِ، كمَا رَوى الطّبريُّ والبَغَويُّ وغيرُهما في أجملِ تَفسيرٍ للآيةِ ومَعنى، عَنِ الصَّحابةِ والتّابعينِ والعُلماءِ ذَوي الفَهمِ والحِكمةِ:
«أدخلْنِي مُدْخلَ صِدْقٍ»: المَدَينةَ. «وأخرِجْني مُخرَجَ صِدْقٍ»: مكّةَ، نَزلَتْ حينَ أُمِرَ النّبيُّ صلّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ بِالهجرةِ.
فمَا أعظَمَ هذهِ الهِجرةَ! وما أطْيَبَ دارَ هذهِ الهِجرةِ، ومَنْ حَلَّ فِيها بعدَ الهِجرةِ! تلكمُ الهِجرةَ الّتي طابَتْ بِها تلكَ البُقعةُ، فطابَ منها الوُجودُ، بأعظمِ رِسالةٍ وسِيرةٍ لِخَيرِ مَوجودٍ، فكانَتْ طَيْبةَ وطَابةَ، الّتي مِنها القُلوبُ في رِياضَها مُستطابةٌ.
ولسانُ مَنْ حَلَّها وتَضوَّع عَبيرَ فَضلِها وبَركاتِها قَولُ شاعرِ الرَّسولِ حَسّانَ بنِ ثابِتٍ فِي أَعْظَمِ رِثَاءٍ فِي الْإِسْلَامِ، فَيَه أعظمُ الشَّوْقِ وَالْحَنِينِ، فِي رِحْلَةٍ عَبْرَ أَلْفٍ وَأَرْبَعِ مِئَةِ عَامٍ لِحَيَاةِ النَّبِيِّ الأَمِينِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ، في ترنُّمِه وشَدْوِه بذلكَ الطِّيبِ في قَصيدةٍ بليغةٍ عَظيمةٍ، أحسَبُ أنّها فاقَتِ المعلّقاتِ السَّبْعَ.
ولَئِنْ قالَ الشّعراءُ: إنَّ أوّلَ مَنْ بَكى الأطلالَ امرؤُ القَيسِ، فإنّي أقولُ: إنَّ أعظمَ وأجلَّ وأصدقَ مَنْ بكَى الأطلالَ هوَ حَسّانُ بنُ ثابتٍ في هذِه القَصيدةِ الّتي بَكى فِيها رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّمَ، والأطْلالَ النَّبوِيّةَ، ورِياضَها، ومآثِرَها المبارَكةَ المحمّديّةَ، والّتي ارتَشِفُ مِنها في هذا المقامِ أبياتًا، واغترِفُ منها عَذْبًا زُلالاً، منْ بحرِ جمالِها، بِمَا ناسَبَ مَقامَ حُروفِ الشَّوقِ والحنينِ، لِمدينةِ خيرِ المرسَلِينَ:
بِطَيْبَةَ رَسْمٌ لِلرَّسُولِ وَمَعْهَدُ
مُنِيرٌ وَقَدْ تَعْفُو الرُّسُومُ وَتَهْمُدِ
وَلَا تَنْمحِي الْآيَاتُ مِنْ دَارِ حُرْمَةٍ
بِهَا مِنْبَرُ الْهَادِي الَّذِي كَانَ يَصْعَدُ
وَوَاضِحُ آثَارٍ وَبَاقِي مَعَالِمٍ
وَرَبْعٌ لَهُ فِيهِ مُصَلًّى وَمَسْجِدُ
بِهَا حُجُرَاتٌ كَانَ يَنْزِلُ وَسْطَهَا
مِنَ اللَّهِ نُورٌ يُسْتَضَاءُ وَيُوقَدُ
مَعَارِفُ لَمْ تُطْمَسْ عَلَى الْعَهْدِ آيُهَا
أَتَاهَا الْبِلَى فَالْآيُ مِنْهَا تَجَدَّدُ
عَرَفْتُ بِهَا رَسْمَ الرَّسُولِ وَعَهْدَهُ
وَقَبْرًا بِهَا وَارَاهُ فِي التُّرْبِ مُلْحِدُ
ظَلِلْتُ بِهَا أَبْكِي الرَّسُولَ فَأَسْعَدَتْ
عُيُونٌ وَمِثْلَاهَا مِنَ الْجَفْنِ تُسْعَدُ
تَذَكَّرُ آلَاءَ الرَّسُولِ وَمَا أَرَى
لَهَا مُحْصِيًا نَفْسِي فَنَفْسِي تَبَلَّدُ
مُفَجَّعَةً قَدْ شَفَّهَا فَقْدُ أَحْمَدٍ
فَظَلَّتْ لِآلَاءِ الرَّسُولِ تُعَدِّدُ
أَطَالَتْ وُقُوفًا تَذْرِفُ الْعَيْنُ جُهْدَها
جُـــهْـــدَهَـــا
عَلَى طَلَلِ الْقَبْرِ الَّذِي فِيهِ أَحْمَدُ
فَبُورِكْتَ يَا قَبْرَ الرَّسُولِ وَبُورِكَتْ
بِلَادٌ ثَوَى فِيهَا الرَّشِيدُ الْمُسَدَّدُ
وَبُورِكَ لَحْدٌ مِنْكَ ضُمِّنَ طَيِّبًا
عَلَيْهِ بِنَاءٌ مِنْ صَفِيحٍ مُنَضَّدُ
وهَكذا حالُ كلِّ محبِّ لها ومُشتاقٍ إِليها، يَرتوِي منْ بَحرِ حبِّها، ويتنسَّمُ عبيرَ أَريجِها وعِطْرِها، ويَتَفيَّأُ ظِلالَ ذِكرياتِ سِيرةِ نَبِيِّها صلّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ، وكأنَّ سِاكِنَها وزائِرَها يَغترِفُ منْ نَهرِ الشَّوقِ والحَنينِ إِلَيها، ولذّةِ الحُبِّ فِيها أعذَبَ ما يُذهِبُ عنهُ الظّمَأَ، ويُخفِّفُ الوَلَهَ.
فَتَسابَقَ إِليها المُلوكُ والسَّلاطِينُ، والأُمَراءُ والمَأمُورُونَ، والأغنياءُ والفُقَراءُ، والعُبّادُ والزُّهَّادُ،، وأهلُ الكَمالِ والإِخلالِ، والطَّائِعونَ والمُذْنِبونَ، والكلُّ إلى اللهِ رَاغِبونَ، ولِنَيلِ بَرَكاتِها وفَضلِها يتلَمَّسونَ، وكيفَ لا وَهمْ لنبِيِّ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ مُحِبّونَ، ولاقتِفاءِ آثارِه وأماكِنِ فَضلِه وتعبُّدِه بما أَرشدَ مشتاقونَ؟!.
فهَذا مسجِدُه، وهنا رَوضتُه، وهذا بَيتُه وقَبرُه، ومُتنزَّلُ جِبريلَ والملائكةِ عَليهِ، وهُنا قباءُ وأُحُدٌ والبَقيعُ والعَقِيقُ، هنا مُحمَّدٌ وصَحْبُه، هنا أهلُ بَيتِه وزَوجاتُه، هُنا كانَ يَدعو ربَّه، وهنا يُصلّي وهنا كانَ يَمشِي، وهُنا حَنَّ لهُ الجِذْعُ، وهُنا كلَّمه أُحُدٌ، وهنا سبّحَ الحَصَى بَينَ يَدَيهِ.
هُنا قِصَصُ مُعجزاتٍ لا تَنقضِي، ورِواياتٌ مُبْهِراتٌ لا تَنتهِي، هنا البَركاتُ والخَيراتُ الّتي اختَصَّها اللهُ بمدينةِ خيرِ البَريّاتِ.
روَى القاضِي عِياضٌ في تَرتيبِ المَداركِ عنْ جَعفرِ بنِ محمّدٍ، سَليلِ وفَقيهِ أهلِ بَيتِ النُّبوَّةِ: «قيلَ لمَالِكٍ شَيخِ وفَقيهِ دَارِ الهِجْرةِ: اختَرْتَ مُقامَكَ بِالمَدينةِ، وتَركْتَ الرِّيفَ والخِصْبَ: فقالَ: وكيفَ لا أختارُهُ وما بِالمَدينةِ طَريقٌ إلاّ سَلَكَ عَلَيها رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسَلَّمَ وجِبريلُ عَلَيهِ السَّلامُ يَنزِلُ عَليهِ مِنْ عندِ رَبِّ العَالَمينَ، في أقلَّ منْ سَاعَةٍ».
وكلامُ مَالِكٍ كلامُ مَنْ تضوَّعَ طِيبَ المَدينةِ، واسْتَشْعرَ فَضْلَ جِوارِ نَبيِّها، ونالَ بركَتَها، وهوَ ما جعلَ المسلِمينَ على مرِّ العُصورِ في شَوقٍ وحَنينٍ لِمَدينةِ خَيرِ المُرسَلِينَ.
فلِذا كانَ الحَجِيجُ إذا قَضَوا مناسِكَهمْ، والمُعتَمِرونَ إذا أَتَمَّوْا عُمْرتَهمْ -وكلُّهم رَجاءَ أنْ حَطَّ اللهُ عَنهمْ ذُنوبَهمْ- تَشوّقَتْ نفوسُهمْ، ودَعا داعِي الحبِّ قلوبَهمْ؛ أنْ قدْ حانَ وَقتُ الرَّحيلِ لدارِ خاتَمِ النّبيّينَ صلّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ؛ لزِيارةِ مَسجدِه المُنيفِ، ثمّ قبرِه الشَّريفِ، والسَّلامِ عليهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وعلى صاحبَيهِ وضَجِيعَيهِ رضِيَ اللهُ عنهُما، واستِنشاقِ عَبيرِ الإيمانِ الّذي يَفوحُ بِالمدينةِ مأرِزِ الإِيمانِ، ويَملأُ جنَبَاتِها نُورًا وسماءَها ضِيَاءً، كمَا جاءَ في الحَدِيثِ عنِ النّبيِّ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنّه قالَ: (إنَّ الإِيمانَ لَيَأْرِزُ إلى المدينةِ كَمَا تَأرِزُ الحيَّةُ إلى جُحْرِها).
وهَكَذا حَالُ تِلْكَ البِقاعِ المُبَارَكةِ المُؤمنةِ، تَطمِئنُّ فِيهَا الأفئِدةُ، ويحُلُّ الأُنْسُ، وتَحضُرُ السَّكينةُ.
وفي تلكَ الرِّحلةِ المُحمّديّةِ السَّلْمانِيّةِ الجَمِيلةِ، ومَشاهِدِها الجَليلةِ، في تَنقُّلِ سُموِّ وليِّ العَهْدِ بينَ رِياضِ طَيبةَ الأَمينةِ، وبأدَبٍ جمٍّ رَفيعٍ شاهَدَهُ الجَميعُ، سَواءً في زِيَارَةِ مَسْجِدِ وَرَوْضَةِ خَيْرِ الْأَنَامِ، وَزيارِةِ قَبرِه والسَّلَامِ عَلَيْهِ فِي أَبْهَى وَأَخْشَعِ وآدَبٍ وُقُوفٍ وَمَقَامٍ - يَحْلُو نَثرُ عَذبِ الْكَلَامِ، من رَوَائِعَ بَوْحِ أَشْوَاقِ وَحُرُوفِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ الّتِي تَعطَّرَتْ بِها مُصنَّفَاتُهُمْ، ورَقَّتْ بِها في بَثِّ الشَّوقِ والْحَنينِ إلى مَدينةِ خَيرِ المُرسَلِينَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وغَرْسِ حُبِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قُلُوبِ المُؤْمِنينَ.
فمِنْ جَمِيلِ ذِلكَ وأَعْذَبِهِ وأرَقِّهِ أربَعُ مَقالاتٍ وعِباراتٍ لبَعضِ أئمّةِ المَذاهِبِ الأربعةِ، الّتي اجتمَعتْ عَلَيها أمّةُ خَيرِ البَرِيّاتِ:
العِبارَةُ الأُولَى: لِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ، إمامِ الشَّافعيّةِ فِي كِتَابِهِ «الْمَجْمُوعِ» قالَ فِيها:
«وَإِذَا تَوَجَّهَ - إِلَى الْمَدِينَةَ - فَلْيُكْثِرْ مِنَ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَرِيقِهِ، فَإِذَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى أَشْجَارِ الْمَدِينَةِ وَحَرَمِهَا وَمَا يُعْرَفُ بِهَا، زَادَ مِنَ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَنْفَعَهُ بِهَذِهِ الزِّيَارَةِ وَأَنْ يَقْبَلَهَا مِنْهُ.
وَيَسْتَحْضِرُ فِي قَلْبِهِ شَرَفَ الْمَدِينَةِ، وَأَنَّهَا أَفْضَلُ الأَرْضِ بَعْدَ مَكَّةَ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ أَفْضَلُهَا مُطْلَقًا، وَأَنَّ الَّذِي شَرُفَتْ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرُ الْخَلَائِقِ...
(و) يَنْبَغِي لَهُ فِي مُدَّةِ مَقَامِهِ بِالْمَدِينَةِ أَنْ يُلَاحِظَ بِقَلْبِهِ جَلَالَتَهَا، وَأَنَّهَا الْبَلْدَةُ الَّتِي اخْتَارَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِهِجْرَةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتِيطَانِهِ وَمَدْفَنِهِ، وَتَنْزِيلِ الْوَحْيِ، وَيَسْتَحْضِرَ تَرَدُّدَهُ فِيهَا، وَمَشْيَهُ فِي بِقَاعِهَا، وَتَرَدُّدَ جِبْرِيلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا بِالْوَحْيِ الْكَرِيمِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ فَضَائِلِهَا».
والعِبارَةُ الثّانيةُ: للإِمامِ ابنِ الجَوزِيِّ إِمامِ الحَنابِلةِ، في كتابِهِ «مُثيرِ العَزْمِ السَّاكنِ إلى أشْرَفِ الأَماكنِ»؛ قالَ فِيها:
«اعلَمْ أنَّ مَنْ دَخلَ المَدينةَ، فَلْيُخْطِرْ عَلَى قَلْبِه أنّها المَدينةُ الّتي اختارَهَا اللهُ تَعالَى لِنَبِيِّهِ صَلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وَلْيَتَخَايَلْ تَرَدُّدَهُ صَلّى اللهُ عَليهِ وسَلَّمَ فِيهَا، وَمَشْيَهُ فِي بِقَاعِهَا؛ فَكُلُّهَا شَرِيفَةٌ، وَإِنْ خُصَّتْ مِنْهَا مَوَاضِعُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّمَ، فَيُسْتَحَبُّ الإِكْثَارُ مِنَ الصَّلاةِ فِيهِ، وخُصوصًا في الرَّوضَةِ».
والعِبارَةُ الثّالثةُ: للإِمامِ الكَمالِ بنِ الهُمامِ، إمامِ الحَنفيَّةِ، في كتَابِه «شرحِ فَتحِ القَديرِ»؛ قالَ فِيهِ:
«وَإِذَا دَخَلَهَا... ليَكُنْ مُتَوَاضِعًا مُتَخَشِّعًا مُعَظِّمًا لِحُرْمَتِهَا، لَا يَفْتُرُ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُسْتَحْضِرًا أَنَّهَا بَلْدَتُهُ الَّتِي اخْتَارَهَا اللَّهُ تَعَالَى دَارَ هِجْرَةِ نَبِيِّهِ وَمَهْبِطًا لِلْوَحْيِ وَالْقُرْآنِ، وَمَنْبَعًا لِلْإِيمَانِ وَالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: كُلُّ الْبِلَادِ اُفْتُتِحَتْ بِالسَّيْفِ إلَّا الْمَدِينَةَ فَإِنَّهَا اُفْتُتِحَتْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ. وَلْيُحْضِرْ قَلْبَهُ أَنَّهُ رُبَّمَا صَادَفَ مَوْضِعَ قَدَمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ».
والعِبارَةُ الرَّابِعةُ: للإِمامِ القاضِي عِياضٍ إمامِ المَالكيّةِ، في كِتابِه المَاتِعِ النَّافِعِ «الشِّفا بِتعرِيفِ حُقوقِ المُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ»:
«وجَدير بِمَواطِنَ عُمِرَتْ بالوَحْيِ وَالتَّنزيلِ، وَتَرَدَّدَ بِهَا جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَعَرَجَتْ مِنْهَا الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ، وَضَجَّتْ عَرَصَاتُهَا بِالتَّقْدِيسِ وَالتَّسْبِيحِ، وَاشْتَمَلَتْ تُرْبَتُهَا عَلَى جَسَدِ سَيِّدِ الْبَشَرِ، وَانْتَشَرَ عَنْهَا مِنْ دِينِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ مَا انْتَشَرَ، مَدَارِسُ وآياتٌ، وَمَسَاجِدُ وَصَلَوَاتٌ، وَمَشَاهِدُ الْفَضَائِلِ وَالْخَيْرَاتِ، وَمَعَاهِدُ الْبَرَاهِينِ وَالْمُعْجِزَاتِ، وَمَنَاسِكُ الدِّينِ، وَمَشَاعِرُ الْمُسْلِمِينَ، وَمَوَاقِفُ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَمُتَبَوَّأُ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، حَيْثُ انْفَجَرَتِ النُّبُوَّةُ، وَأَيْنَ فَاضَ عُبَابُهَا، وَمَوَاطِنُ طوِيَتْ فِيهَا الرِّسَالَةُ، وأَوّلُ أَرْضٍ مَسَّ جِلْدَ المُصْطَفَى تُرابُها ـ أَنْ تُعَظَّمَ عَرَصَاتُهَا، وَتُتَنَسَّمَ نَفَحَاتُهَا ...».
يَا دَارَ خَيْرِ الْمُرْسَلِينَ وَمَنْ بِهِ
هُدِيَ الْأَنَامُ وَخُصَّ بِالْآيَاتِ
عِنْدِي لِأَجْلِكِ لَوْعَةٌ وَصَبَابَةٌ
وَتَشَوُّقٌ مُتَوَقِّدُ الْجَمَرَاتِ
وحَدِيثُ الشَّوْقِ وَالحَنينِ هَذا لا يَنتهِي في كلِّ زَمَانٍ وَمَكانٍ، وعَبْرَ السِّنِينَ، فهُوَ تِرْيَاقُ قُلُوبِ المُحِبِّينَ، وَشِفَاءُ نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ، ومِعراجُ وسَلْوَى المُخْبِتِينَ، فَليسَ هُناكَ جَمالٌ للأَرْواحِ بِمِثْلِ ذَلكَ بعدَ الإيمانِ بِاللهِ ونَبِيِّه وتَوحيدِه، والّذِي مِنْ لَوازِمِ تَوحيدِهِ حُبُّ نبيِّهِ، ومِنْ حبِّ نَبيِّهِ حُبُّ مَدينَتِه وجِيرَتِه.
وفي زِيارَةِ سُمُوِّ وَليِّ العَهدِ لِلمَدينةِ: الجَميعُ بِلسانِ أهلِ طَيبةَ، بِأَجْمَلِ مَشَاعِرِ التَّرْحِيبِ الْمُسْتَطَابَةِ كانَ يُردِّدُ: مَرْحَبًا سُمُوَّ وَلِيِّ الْعَهْدِ، مَرْحَبًا وَأَنْتَ تَحُثُّ خُطَى السُّمُوِّ فِي بَدْءِ زِيَارَتِكَ بِاللَّهْفِ وَالشَّوْقِ لِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَرِيَاضِهَا الأَمِينَةِ، وَزِيَارَةِ سَاكِنِ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَمَا أَجْمَلَ زِيَارَةَ مَأْرِزِ الْإِيمَانِ وَمَا فِيهَا مِنْ خَيْرٍ وَبَرَكَةٍ مِنَ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ، فَخَيْرُهَا عَامٌّ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَمِنْ ذَلِكَ زِيَارَتُهَا وَالصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِهَا، وَزِيَارَةُ قَبْرِ نَبِيِّ الْأُمَّةِ فِيهَا، وَكُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ فِيهَا.
وَشَاهِدُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ: (وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ).
وَتَأْكِيدُهُ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ: (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَمِثْلِهِ مَعَهُ).
وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ).
فَكُلُّ عَمَلٍ فِي الْمَدِينَةِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا يُبَارِكُ اللَّهُ فِيهِ، وَيُبَارِكُ صَاحِبَهُ بِهِ، وَيَجِدُ فِيهِ التَّوْفِيقَ وَالْبَرَكَةَ فِي كُلِّ شَيْءٍ فِي الْحَيَاةِ، وَكَمَا قَالَ النُّبَلَاءُ -جَعلَهمُ اللهُ في ثَوابِ هذهِ الحُروفِ شُركاءَ-: (نَحْنُ بِخَيْرٍ مَا دُمْنَا فِي طَيْبَةَ الطَّيِّبَةِ).
وَأَخْتِمُ بِأَبْيَاتٍ لِشَاعِرِ الْمَدِينَةِ الرَّاحِلِ عَلِيٍّ حَافِظٍ، الَّتِي لَا أَمَلُّ مِنْ تَكْرَارِهَا، فَبَعْضُ الْمُكَرَّرِ يَحْلُو:
سَقَاكِ اللَّهُ يَا تِلْكَ الْمَغَانِي
بِطَيْبَتِنَا فَمَا أَحْلَى رُبَاهَا
وَبَارَكَهَا النَّسِيمُ بِكُلِّ عِطْرٍ
يَفُوحُ شَذًى وَيَنْمُو فِي ثَرَاهَا
فَيَا طِيبَ الْمَدِينَةِ، كُلُّ شِبْرٍ
يُضِيءُ بِهَا وَيَرْفُلُ فِي سَنَاهَا
وَيَا طِيبَ الْمَدِينَةِ كُلُّ نَفْسٍ
تَوَدُّ لَوَ انَّهَا نَالَتْ رِضَاهَا
وَيَا طِيبَ الْمَدِينَةِ كُلُّ قَلْبٍ
يَطِيرُ لَهَا وَيَخْفِقُ فِي لِقَاهَا
وَيَا طِيبَ الْمَدِينَةِ كُلُّ شَخْصٍ
يَحِنُّ لَهَا وَيَحْرِصُ أَنْ يَرَاهَا
وَيَا طِيبَ الْمَدِينَةِ زَمِّلُونِي
بِتُرْبَتِهَا لِأَنْعَمَ فِي حَشَاهَا
اللَّهُمَّ وَفِّقْ عَبْدَكَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَاصِيَتِهِ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَاجْعَلْ عَمَلَهُ فِي رِضَاكَ، وَطَرِيقَهُ فِي هُدَاكَ، بِمَا يَنْفَعُ الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ، وَارْزُقْهُ مِنْ بَرَكَةِ الْمَدِينَةِ مَا تَقرُّ بِها عَينُه، ومَا ينْفَعُهُ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً.
اللهمَّ وَاسْتَوْدِعْ فِي قَلْبِهِ مَحَبَّتَهَا، وَتَعْظِيمَ مَكَانَتِهَا، وَمَعْرِفَةَ حَقِّهَا، وَشَرِّفْهُ بِخِدْمَتِهَا، وَخِدْمَةِ تَوْأَمِهَا مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ.
اللَّهُمَّ وَوَفِّقْ أَمِيرَ مَأْرِزِ الْإِيمَانِ سَلْمَانَ بْنَ سُلْطَانَ، فِي تَحْقِيقِ تَطَلُّعَاتِ خَادِمِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكِ سَلْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وسُموِّ وَليِّ عَهدِه المُقتَفِي لأثَرِهِ، مَنْ عُقِدَتْ هذهِ الحُروفِ لأَجلهِ؛ فَمَا زَالَ بِهِمَّتِهِ وَعَزِيمَتِهِ يَبْذُلُ الْجُهْدَ، وَيَشْحَذُ الْهِمَمَ لِبُلُوغِ الْقِمَمِ، فِي نَجَاحَاتِ الْعَمَلِ فِي مَدِينَةِ مَنْ سَادَ الأُمَمَ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
اللَّهُمَّ فَكُنْ لَهُ خَيْرَ مُعِينٍ، فِي خِدْمَةِ مَدِينَةِ النَّبِيِّ الأَمِينِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
اللّهمَّ واشْمَلْ بشَرَفِ خِدْمَتِها نائِبَه عبْدَكَ سُعودَ بنَ نَهارٍ، بِمَا شَمِلْتَ بهِ عِبادَكَ الأَوفياءَ لَهَا والأبْرارَ.
اللَّهُمَّ آمِينَ آمِينَ آمِينَ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
هَذَا، والحَمدُ للهِ مِنْ قَبلُ ومِنْ بَعدُ، وصلّى اللهُ وسَلَّمَ عَلَى نَبيِّنا وسَيِّدِنا محمَّدٍ، وعَلَى آلِهِ وصَحْبِه بِلا عَدٍّ وحَدٍّ.
** **
د. عصام بن ناهض الهجاري الشريف - عضوِ هيئةِ التَّدريسِ بِجامِعةِ طَيبةَ