م.عبدالمحسن بن عبدالله الماضي
الاجتهاد هو حالة من حالات الجهاد، ففيه جهد ومشقة ويحتاج إلى شجاعة رأي وشجاعة موقف مبني على العلم.. كما أن الاجتهاد حالة فردية، ومسؤولية المجتهد، عن أعماله مسؤولية فردية، تماماً كدين الإسلام الذي هو في أصوله التعبدية فردي، حيث وضع المسلم وجهاً لوجه في تواصل مباشر ومستمر مع الله تعالى.
الاجتهاد لا يبدل النص الأصلي، بل الذي يتبدل هو تأويلنا وتفسيرنا للنص، لأنه وجهة نظر واقعة تحت تأثير الزمان والمكان والظروف المحيطة، وصادرة من بشر يصيبون ويخطئون وهم عرضة للوقوع تحت تأثيرات سياسية أو مصلحية.. من هنا كان العرب الأوائل حريصين على الدقة فوصفوا التأويلات والتفاسير بأنها اجتهادات، وسَمّوا المؤوِّل والمفسِّر بالمجتهد، وحذروا من أن التباعد الزمني والمكاني بين المؤوِّل والمِصْدر يزيد من إمكانية الخطأ بقصد أو غير قصد.. من هنا فإن المفسر أو المؤول هو في حقيقة الأمر يعيد صياغة النص بالشكل التعبيري الذي يؤدي إلى المعنى في بال المفسر، وهو بذلك مجتهد أي أن الذي يقدمه وجهة نظر وليس الحقيقة المطلقة.
إغلاق باب الاجتهاد أغلق وراءه باب الاجتهادات الخاطئة، إلا أنه شرع بوابة احتكار سلطة تفسير الدين، وخَلَق زعامات تقود تيارات ولها أتباع، وصار أي اجتهاد من أي أحد يعد اعتداءً على سلطات ذلك الزعيم الديني.. من هنا ظهر موضوع التقليد والمرجعيات التي أثرت بدورها على حيوية الدين، وجعلت الدين في بعض نصوصه في قالب ثابت جامد غير صالح لكل زمان ومكان كما هو في أصله، فوُصِم الإسلام بالرجعية في إساءة للإسلام، وافتقد المسلم القدرة على الحوار والتعلم.
إغلاق باب الاجتهاد أغلق معه كل محاولات التقريب والبحث عن نقاط الالتقاء مع المختلف.. كما أغلق كل السبل أمام الفهم والتفاهم والجنوح نحو العقلانية والوسطية في الخلاف، وحَدَّ من فرصة خلق تيار ثالث بين المختلفين لعله يكون محطة مرجعية صالحة للتحاكم والمقارنة.. إغلاق باب الاجتهاد خلق انسداداً فكرياً تاريخياً فاقَمَ الاختلافات الطائفية والمذهبية، ودَعَم الفكر الذي يدعو إلى التوقف والرجوع إلى الوراء في كل شاردة وواردة، والاحتكام إلى رجال الدين في كل صغيرة وكبيرة.
المسيحية تعرضت لذات الحالة من إغلاق باب الاجتهاد، إلا أنه تم مواجهة ذلك من خلال فلاسفة سَخَّروا جهودهم لمكافحة ذلك الإغلاق، ومنهم (هيجل) الذي بنى فلسفته على أساس أن الأصل في الفكر الإنساني أنه منغلق غارق في اليقينيات والمسَلَّمات، ويعاني من مشكلة أن موجهيه وقادته يحرمون عليه أن يفكر أو يستمع لمن يفكر.. والمشكلة الأخرى أن ذلك الفكر المنغلق لا يمكن جعله منفتحاً بالوعظ والإرشاد فقط، بل بأن يكتوي ذلك الإنسان بنار الفُرْقة والاختلاف.. فهذه هي الوسيلة الوحيدة لاجتثاث رواسب العنصرية والطائفية وكل المشاعر الدفينة في النفس البشرية تجاه الآخر المختلف.
(هيجل) في فلسفته انطلق من واقع أن الغرب المسيحي لم يستطع تجاوز مرحلة الانغلاق الفكري إلا بعد قرون من التنوير صاحبتها حروب طاحنة.. فقد كان القَسَم الذي يؤديه كل ملوك فرنسا عند تنصيبهم ينص على أن مهمته هي السعي لإبادة كل بروتستانتي وتطهير فرنسا الكاثوليكية منهم.. واليوم لا أحد في فرنسا يتحدث عن دين أو مذهب أي مواطن فرنسي لأن ذلك مخالف للقانون، وهذا حرر أبناء الأقليات فيها، وقد كانوا معرضين طوال قرون للاعتداءات وليس لهم حقوق، ونحمد الله أن الإسلام لم ينزلق في هذه المتاهات.