د. منى بنت علي الحمود
في لحظة التقاء فريدة للكلمات الصافية بالصوت العبقري لأبو نورة، ولدت لنا الأغنية الأسطورة «فوق هام السحب» للشاعر الأمير الراحل بدر بن عبدالمحسن، طيب الله ثراه، لم تكن مجرد أبيات وطنية مغناة على أجود الألحان والمعزوفات الموسيقية الفاخرة فحسب، بل كانت نصا كثيفا يمكن تأمله على مستوى الهوية والوعي الجمعي والمواطنة.
كل مفصل في تلك الأغنية يحرك داخلك شيئا عظيما، يشعرك بعزة، بفخر بانتماء جميل يحتويك. وكأنما هو تواصل مع العلو الذي يحيل إلى فكرة “المثل” عند أفلاطون؛ فالقيم الحقيقية لا تسكن الأرض بل لها عالم أسمى، ولكن الاستدراك الذكي بالعودة للواقعية مباشرة بقول «وإن كنتي ثرى»، يجعل النص أكثر قابلية لدى المتلقي بعيدا عن المبالغة المفتعلة التي لا تصدر عن أبيات رصينة مثل أبيات «البدر»، وهذا لا يغيب واقع وحقيقية أرض الوطن، هذه الثنائية صممت باحترافية وصنعة فنية رفيعة.
تحدثت الأبيات عن الوطن وكأنه ذات وآخر في الوقت نفسه، وهذا يؤكد ما ذهب إليه «هيجل» بأن وجود الذات مرهون بالآخر. فلا وطن بلا مواطنيه ولا مواطن بلا وطنه فكل منهما بمثابة المعرف بالآخر. وهذا قريب أيضا من تصورات «هيجل» عن الدولة، حيث تتحقق حرية الفرد داخل انتمائه إلى الكيان الأكبر وهو الوطن. ومن ثنائيات هذه الأغنية أيضا أنها تتلاعب في طياتها بين الزمان والمكان فتذكر الأمجاد والإرث الثقافي بعناية ولكنها تراوح عنه قريبا للمستقبل فلا تظل تذكر الماضي فحسب.
لم يكن صوت فنان العرب اضافة محايدة لهذه الأغنية، بل تعدى كونه حاملا للكلمة بل وللمعنى إلى أبعد من ذلك، فكان صوتا يضيف بعدا وجدانيا عميقا، فالنبرة كانت ثابتة محركة للاعتزاز، والفخر والصمود مؤكدة على العلو والوجود وهو الفكرة الرئيسة لهذه القصيدة المغناة.
استوقفتني ولا تزال هذه الاغنية تستوقفني كثيرا وكأنها تجديد العهد بي مرارا وكل مرة أنصت لها وكأنها حديث من داخلي، غير أن ما استرعى اهتمامي هو كلمة «يستاهلك» والتي لم يكن تكرارها حشوا للفراغات في الأبيات بكلمة مستهلكة تترد بين الكورال، أو إيقاعات ضبطية تسير مسار الأغنية فحسب، بل كانت مدروسة وبدقة،فمن الذي يستاهل ويستحق ذلك الوطن الذي فوق هام السحب؟!
نقف هنا أمام انقلاب معياري، فالوطن أصبح بمثابة المكافأة والقيمة العليا، التي يكون الفرد بحاجة لأن يكون أهلا لها وجدير بها؛ فالانتماء ليس صفة تُمنح، بل يُكتسب، فليس كل منتم مستحق!. لقد حول التكرار في هذه الأغنية كلمة «يستاهلك» إلى معيار أخلاقي، تنوع ما بين جدارة الفرد «يستاهلك» وحميمية الجماعة «نستاهلك»! لكن الجدارة هي المعيار.
عدد الشاعر «البدر» أصنافا ممن يراهم «يستاهلون» هذا الوطن الشامخ فوق هام السحب، لكن أكثر من لفت انتباهي «من ثنى بالسيف دونك والقلم». ما هو حال الذي يثني دون وطنه بالقلم؟، وكأن «البدر» يجسد ذاته والذوات المشابهة له، من حماة الوطن بالكلمة، فالبدر صاحب التجربة الشعرية المتفردة قد كان يذكر في سيرته أنه: «قيل لي في يوم ما أن الشعر لا خير ولا مجد يرتجى منه.. وها هي الأيام تثبت عكس ذلك”. نعم، فكل كلمة عند البدر جعلت الشعر قريبا إلى القلب دون أن يفقد هيبته الأدبية.
إن اختيار كلمة «ثنى» دون غيرها، والتي تشير إلى عطف الشيء حتى يخضعه، يحمل معنى الإصرار والتوكيد، لا الفعل العابر. وهذا الوصف يتجسد فيما يسمى «بالقوة الناعمة» التي تضع السيف والقلم في مستوى واحد من الحماية للوطن، فالقلم يحمي الهوية، والتاريخ، والوعي. فإن كان السيف يحمي الثرى، فالقلم يحمي الفكر. هذه الثنائية الرابعة ،على الأقل، في هذه القصيدة لم تأت محظ الصدفة لدى «البدر»، بل جاءت مؤكدة على أن القوة بلا فكر تكون بلا اتجاه، وأن الفكر بلا قوة يكون عرضة للانهيار!
للكاتبين عن أوطانهم منا السلام، الذين يحملون أرواحهم على راحة أقلامهم، وتسيل منها أفكارهم، لتخبرنا عن علاقة وجودية بأرضهم هل هو الانتماء العاطفي؟ أم التزام أخلاقي؟. الكتابة عن الوطن تصنع سردية مشتركة، لسان حالها من نحن؟ وماذا يعني وجودنا على هذه البقعة من الثرى، وفي هذا الوقت أيضا؟.
الكتابة الحقيقية للوطن ليست مدحا لمنجزاته أو رصدا لمقدراته، أو وصفا لجمالياته، رغم أهميتها، لكن الكتابة للوطن هي تأسيس لرؤية تجعل الانتماء واعيا، يوازن بين المحبة والفخر والمسؤولية، وأما الكتابة للدفاع عن الوطن فهي روح الحمية التي تحمل الفكر إلى محطة أخرى، فتأخذ الكتابة على عاتقها تصحيح الذاكرة عندما يشوه التاريخ أو يلوث الإرث، وتكون الكتابة ترميما للنفس واستعادة للأمل عند النوازل، وحين يضطرب الوعي يعول على الكتابة أن تعيد ترتيب الفكر عندما تغزوه الأفكار المشوشة.
الدفاع بالقلم لا يقل شأنا عن الدفاع بالسيف، فالقلم يحمي النسيج الاجتماعي، والشرعية الأخلاق به، وقبل أن تكون الكتابة للوطن أو عنه فالخطوة الأولى هي فهم ذلك الوطن جيدا، ومحاولة توضيح صورته الحقيقية، والذود به عن النسيان وصونه عن التشويه أو العدوان، فالقلم جسر وثيق بين اللغة والمعنى وبين المحبة والمسؤولية.
دمت يا وطني الحبيب فوق هام السحب وإن كنت ثرى!.
** **
- مؤسسة ومديرة أكاديمية فنسفة الثقافية للتدريب.