بدر الروقي
كثيرا ما نقرأ ونسمع، وعبر امتداد مراحل الأيام بقصص رجال من أولي الصلاح والتقوى، تروى بألسنة صادقة وقلوب مؤمنة؛ مقصدها وغايتها العبرة والعظة. {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى} الآية [يوسف: 111]
أحدها على سبيل المثال -لا الحصر- ما حكاهُ وقصّه لي أحد المقربين عن جارٍ لهم كان مؤذنا في مسجد حارتهم منذ أربعين عاما.
أهم ماجاء في سرده لسيرته يقول: لا أتذكر في يوم من الأيام أنه قد فاته الأذان، ولا أنه تخلف مرة عن الجماعة. ثم يواصل حديثه عنه قائلاً: مر عليه من الفقر والفاقة ما لا يشرح، ومع هذا عاش غنيا بقناعته، مكتفيا بتعففه.
وبرغم ما أحاط به من شظف العيش، وقلَّة ذات اليد إلاّ أنّ لسان حاله يردد:
صبرُ الفتى لفقره يُجلَّهُ
وبذلُهُ لوجههِ يذلَّهُ
نأى بنفسه عن الانزلاق في مثالبِ الخَلْق، وثوى بحاله عن التَّحدث عن مناقبِ البشر؛ مُبْتَعِداً عن التلون، ومنصرفاً عن التَّوددِ؛ لإدراكه أنَّ رضا البشريَّة طريقٌ شاقةٌ في نهايته هاوية، ولإيمانه بأنَّ ماعند الناس ينفد و ماعند الله باق.
ولأنّ الأعمال بالخواتيم، وأعمال السِّر ثمرة النهايات، ومحصِّلةُ الخير (يوم تبلى السرائر)
كانت تلك النهاية المهيبة عند وفاة هذا الرجل حينما اكتظَّت في جنازته ساحات المُصلى، وتدافعت للسماء دعوات المتضرعين له.
وعندما نتساءل عن سر هذا -القبول والإقبال- ندرك يقينا بعدها أنَّ «قيمة الرجال» التي تبقى هي «التقوى»، وليست قيمتة ولا منزلته «بجمل» دفع لأجله الملايين، ولا برقصات عزفت بأوتار النعرات القبليَّة، ولا بقصائدَ وزنت على بحر المصالح الشخصيَّة.
فما أحوجنا في مجتمعنا لأخلاقيات مثل ذلك «الرجل» ولتلك «السِّيَر».