منصور بن صالح العُمري
ما أحنَّ هذه الآية على القلوب المرهَقة...
(كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
تأمّل...
لم يقل: ستكون رحمته،
بل قال: كَتَبَ،
وكأن الرحمة عهدٌ موثَّق،
ووعدٌ مسطور، على نفسه
لا يتبدّل ولا يُنقَض.
يا لهذا اللطف حين يُخاطبنا بـ«ربكم»...
ربٍّ يربّي،
ويجبر،
ويحنو،
ويعيد بناء القلب إذا تهدّم.
كم تمسح هذه الآية وجع الذكرى حين تعود بثوبها الثقيل...
تذكّرك بذنبٍ ظننتَه مات،
فإذا به ينهض من رماده في ليلة هادئة،
يقرع صدرك بندمٍ موجع.
فتأتي الآية لطف رباني تمسّد رأسك:
عملتَ بجهالة...
نعم، لم تكن عنادًا خالصًا،
ولا كفرانًا واعيًا،
بل ضعفَ بشر،
وغفلةَ قلب،
ولحظةَ انزلاق.
ثم ماذا؟
ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ؟...
لم يكتفِ بالدمعة،
بل أراد لك عودةً كاملة،
إصلاحًا لما انكسر،
وتصحيحًا لما اعوجّ،
كأن التوبة ليست بكاءً على الماضي،
بل ميلاد جديد للحاضر.
وما أعظم الخاتمة...
فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
غفور... يمحو الأثر،
ورحيم... لا يذكّرك به بعد العفو.
أيُّ ربٍّ هذا
الذي يفتح لك الباب
كلما أغلقتَه بيدك؟
أيُّ ودٍّ هذا
الذي ينتظر عودتك
رغم تكرار زلّتك؟
إنها آيةٌ
تطفئ ندمًا اشتعل رغم تقادم جذوته،
وتغسل صور القلق المتراكمة،
وتقول لك برفق:
لا تُقيم في مقابر أخطائك،
فالذي كتب على نفسه الرحمة
أوسع من ذنبك،
وأرحم من قسوتك على نفسك. كلما عاد عليك ماضٍ يُثقلك،
تذكّر أن الله لم يكتب على نفسه العقوبة،
بل كتب الرحمة.
ولم يُغلق الآية بتهديد،
بل بخاتمةٍ دافئة:
غَفُورٌ رَّحِيمٌ.
فاهدأ...
فإن كانت الأرض شهدت خطيئتك،
فالسماء شهدت وعد الله بالرحمة.
والربّ الذي أذنبتَ في حقّه،
هو نفسه الذي يدعوك الآن إلى بابه.