أحمد صدقي اليماني
تشير الخبرة التاريخية للصراعات الداخلية المركبة إلى أن النزاعات ذات الطابع السياسي - الهوياتي لا يمكن حلها عبر الإجابة المباشرة عن سؤال الشكل النهائي للدولة، بل عبر معالجة البنية التي أنتجت الشعور بالاختلال وعدم الشراكة.
ومن هذا المنطلق، فإن المقاربة الواقعية للقضية الجنوبية لا ينبغي أن تنطلق من ثنائية الاستقلال أو الوحدة بوصفها مدخلاً للحل، لأن هذه الثنائية تمثل التعبير النهائي للأزمة لا أسبابها العميقة. إن ما يحتاجه المسار الجنوبي اليوم هو الانتقال من منطق الحسم إلى منطق التنظيم، أي إعادة ترتيب العلاقة بين السلطة والمجتمع داخل الجنوب أولاً، ثم إعادة تعريف موقع الجنوب داخل البنية اليمنية العامة ثانياً، عبر مسار انتقالي يوازن بين الاستقرار السياسي وحق تقرير المصير.
أولاً: إعادة تعريف القضية بوصفها اختلالاً بنيوياً في الشراكة السياسية
حين خرجت احتجاجات المتقاعدين العسكريين في عدن والضالع عام 2007، لم تكن مطالبها انفصالية في جوهرها، بل متصلة بالحقوق الوظيفية والاستعادة المعنوية للموقع داخل الدولة. غير أن طريقة التعامل معها سياسياً وأمنياً دفعت بالقضية إلى مسار مختلف.
لذا فإن التحول المفاهيمي في توصيف القضية الجنوبية يمثل خطوة تأسيسية لأي معالجة ممكنة. فالإطار التقليدي الذي حصرها في مسألة «فك ارتباط» أو «استعادة دولة» يعكس مستوى متقدماً من التعبير السياسي، لكنه لا يفسر الأسباب التي جعلت هذا المطلب يتجذر اجتماعياً.
وعند تفكيك التجربة منذ ما بعد حرب 1994، يتضح أن جوهر الأزمة كان مرتبطاً بإعادة توزيع القوة داخل الدولة بطريقة أدت إلى تراجع الحضور الجنوبي في المؤسسات السيادية والعسكرية والإدارية، وإلى تآكل فرص المشاركة المتكافئة في صنع القرار. كما ترافق ذلك مع سياسات اقتصادية وإدارية ساهمت في نقل السيطرة على الموارد والأراضي إلى شبكات نفوذ خارج الإطار المحلي.
إن إعادة تعريف القضية بوصفها أزمة شراكة سياسية وعدالة غائبة يسمح بنقلها من حقل الصراع الصفري إلى حقل المعالجة المؤسسية. فبدلاً من أن تكون المسألة صراعاً بين كيانين متقابلين، تصبح مسألة إعادة بناء عقد سياسي يضمن التمثيل المتوازن، ويعيد تنظيم العلاقة بين المركز والأطراف، ويعترف بالمظالم التاريخية بوصفها قضية سياسية قابلة للمعالجة، لا مجرد سردية احتجاجية. هذا التحول يفتح المجال أمام أدوات مثل الإصلاح المؤسسي، والضمانات الدستورية، وآليات تقاسم السلطة، بوصفها وسائل عملية لمعالجة جذور الأزمة.
ثانياً: الفيدرالية الانتقالية على أساس المحافظات كآلية لإعادة توزيع السلطة
أحد التحديات الجوهرية في أي مشروع سياسي جنوبي يتمثل في كيفية تفادي إعادة إنتاج المركزية داخل الجنوب نفسه. فقد أظهرت التجارب المقارنة أن الانتقال من مركزية وطنية إلى مركزية إقليمية لا يحل المشكلة، بل يعيد إنتاجها في نطاق جغرافي أصغر.
ومن هنا تبرز أهمية اعتماد نموذج فيدرالي انتقالي يقوم على تمكين المحافظات كوحدات حكم ذاتي حقيقية، بدلاً من إنشاء أقاليم واسعة قد تتحول إلى مراكز سلطة بديلة.
ويعني الحكم الذاتي للمحافظات امتلاك صلاحيات فعلية في إدارة الموارد المحلية من خلال إطلاق صندوق موارد محلي لكل محافظة، وتخطيط التنمية، وتنظيم الأجهزة الأمنية، وصياغة السياسات الإدارية، ضمن إطار اتحادي تنسيقي يضمن وحدة القرار الاستراتيجي دون مصادرة الاستقلال المحلي.
إن هذه الصيغة توفر توازناً بين الحاجة إلى وحدة سياسية جنوبية وبين ضرورة احترام التنوع الجغرافي والاجتماعي والاقتصادي داخل المحافظات.
كما أنها تقلل من المخاوف المرتبطة بالهيمنة الداخلية، وتمنح كل محافظة شعوراً مباشراً بالتمكين والمشاركة في إدارة شؤونها.
ومن الناحية العملية، تمثل هذه الفيدرالية مرحلة انتقالية تسمح بإعادة بناء الثقة داخل الجنوب، وتوفر نموذجاً تدريجياً لإدارة السلطة يمكن أن يتطور مستقبلاً وفق ما تفضي إليه التوافقات السياسية، دون أن يفرض مسبقاً شكلاً نهائياً للدولة. ولا يخلو هذا النموذج من التحديات، لكنه يظل أقل تكلفة من إعادة إنتاج التهميش داخل الجنوب ذاته، وهو ما تخشاه بعض المحافظات منذ تصاعد النقاشات السياسية بعد 2019.
ثالثاً: العدالة الانتقالية كمدخل لإغلاق الإرث الصراعي وبناء الثقة السياسية
أحداث يناير 1986، وما تلاها من انقسامات جنوبية، ثم حرب 1994، وصولاً إلى سياسات الإقصاء الوظيفي بعد ذلك، كلها شكلت ذاكرة صراعية معقدة.
لذا فإن أي معالجة سياسية للقضية الجنوبية تظل معرضة للهشاشة ما لم تُعالج بصورة منهجية الإرث التاريخي للصراع الذي تراكم عبر مراحل متعددة، سواء في العلاقة مع السلطة المركزية أو داخل البنية الجنوبية نفسها. فالمظالم المرتبطة بالإقصاء، ومصادرة الحقوق، والتحولات القسرية في بنية المؤسسات العسكرية والإدارية، لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل شكلت أساساً نفسياً وسياسياً لفقدان الثقة في الدولة وفي إمكانية الشراكة المتوازنة داخلها.
من هنا تبرز العدالة الانتقالية بوصفها إطاراً ضرورياً لتحويل الذاكرة الصراعية من مصدر دائم للتوتر إلى أساس لإعادة بناء الثقة. فالمقصود بها ليس إعادة فتح ملفات الماضي بهدف المعاقبة أو تصفية الحسابات، بل إنشاء مسار مؤسسي يعترف بالمظالم ويوثقها ويعالج آثارها بطريقة توازن بين الإنصاف والاستقرار. إن الاعتراف الرسمي بالانتهاكات، واستعادة الحقوق حيثما أمكن، تمثل خطوات أساسية في تفكيك الشعور التاريخي بالغبن الذي غذّى النزاع السياسي. ويبدأ المسار المؤسسي بآليات ممكنة، كهيئة إنصاف جنوبية مستقلة، لجنة استعادة الحقوق الوظيفية، ليصبح الهدف هو تحويل الذاكرة الصراعية من وقود للتوتر إلى أساس للمصالحة السياسية.
كما أن العدالة الانتقالية تسهم في إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، إذ تنقلها من علاقة قائمة على الإنكار أو التجاهل إلى علاقة تقوم على الاعتراف والمسؤولية.
وبهذا المعنى، فإنها لا تُعد مجرد أداة أخلاقية، بل تمثل ركيزة سياسية تتيح تأسيس شرعية جديدة للمسار الانتقالي، وتحد من احتمالات إعادة إنتاج الصراع، عبر تحويل الماضي من عبء معطل إلى عنصر من عناصر بناء المستقبل.
رابعاً: الشراكة التعاقدية المؤقتة كمدخل لإعادة تنظيم العلاقة مع الشمال
تظل معالجة القضية الجنوبية غير مكتملة ما لم تُعالج طبيعة العلاقة المستقبلية مع الشمال ضمن إطار يتجاوز الثنائية التقليدية بين الوحدة والانفصال.
فقد أثبتت التجربة أن الوحدة الاندماجية التي افتقرت إلى ضمانات التوازن أفضت إلى إعادة إنتاج اختلالات بنيوية، في حين أن القفز المباشر نحو الانفصال يحمل تحديات معقدة تتصل بإعادة بناء الدولة والاقتصاد والمؤسسات في بيئة إقليمية حساسة. ومن ثم، فإن المقاربة الواقعية تقتضي الانتقال من منطق الحسم الفوري إلى منطق التنظيم المرحلي، عبر صيغة انتقالية تسمح بإعادة ترتيب العلاقة دون فرض نتائج نهائية مسبقة.
في هذا السياق تبرز الشراكة التعاقدية المؤقتة بوصفها إطاراً سياسياً انتقالياً يعيد تعريف العلاقة بين الطرفين من اندماج غير متكافئ إلى ارتباط منظم يقوم على التوافق. فالعلاقة هنا لا تُفهم بوصفها وحدة دائمة ولا قطيعة نهائية، بل كصيغة محددة زمنياً تُدار وفق اتفاق سياسي واضح - تُحدَّد صياغته في مؤتمر الحوار الجنوبي - يعيد توزيع الصلاحيات وينظم إدارة الموارد ويؤسس لتوازن في التمثيل. ومن خلال هذا الإطار يمكن إعادة بناء الثقة وتطوير أنماط جديدة من التعاون المؤسسي والاقتصادي، بما يقلل من مخاطر الصدمات السياسية التي قد ترافق أي انتقال جذري.
إن القيمة الأساسية لهذه الصيغة تكمن في قدرتها على خلق زمن سياسي انتقالي يسمح بامتصاص آثار الصراع وإعادة تشكيل المصالح المشتركة ضمن بيئة أكثر استقراراً. كما أنها لا تصادر الحق في تحديد شكل العلاقة النهائية مستقبلاً، بل تؤجله إلى مرحلة يكون فيها القرار ناتجاً عن تجربة انتقالية عملية لا عن استقطاب حاد. وبهذا المعنى، تمثل الشراكة التعاقدية المؤقتة مساراً منظماً لإدارة الحاضر وتهيئة شروط المستقبل، دون أن تُغلق الخيارات أو تفرض نتائج مسبقة.
خامساً: المرجعية الجنوبية الجامعة كآلية لإنتاج القرار لا لاحتكار التمثيل
إن أحد أهم الاختلالات التي أعاقت تشكل مسار سياسي جنوبي مستقر عبر العقود الماضية لم يكن غياب الفاعلين، بل تعددهم خارج إطار مؤسسي قادر على تنظيم التعددية وتحويلها إلى قوة سياسية منتجة.
فقد أظهرت التجربة أن التعدد في حد ذاته لا يمثل مشكلة، بل يتحول إلى مصدر هشاشة عندما يُدار عبر مراكز متوازية للقرار تفتقر إلى مرجعية جامعة تضبط اتجاهاته وتمنحه اتساقاً سياسياً.
في هذا السياق، تصبح الحاجة إلى بناء إطار تمثيلي جامع ضرورة بنيوية لا خياراً سياسياً ظرفياً. غير أن هذا الإطار لا ينبغي فهمه بوصفه سلطة بديلة أو جهازاً احتكارياً للتمثيل، بل باعتباره بنية تنظيمية عليا تتيح تحويل التعدد الاجتماعي والسياسي إلى عملية تفاوضية داخلية منظمة.
إن وظيفته الأساسية تكمن في إنتاج القرار التوافقي، لا في مصادرة الاختلاف، وفي إدارة التباين بين المكونات الجنوبية ضمن مسار مؤسسي يحول دون انتقاله إلى صراع مفتوح أو تنافس على الشرعية.
إن وجود مرجعية كهذه يسمح بإعادة توزيع الشرعية السياسية داخل الجنوب، بحيث لا تُختزل في قوة تنظيمية واحدة أو في خطاب سياسي منفرد، بل تصبح نتاجاً لعملية تشاركية أوسع. كما أنه يعزز القدرة التفاوضية الجماعية عبر توحيد الرؤية تجاه القضايا المصيرية، ويمنح أي مسار تفاوضي مستقبلي قاعدة تمثيلية أكثر اتساعاً واستقراراً. والأهم من ذلك أنه يحول التعددية من عامل إرباك إلى عنصر تأسيسي في بناء النظام السياسي الجنوبي، إذ تصبح المشاركة الواسعة مصدراً للتماسك لا سبباً للتشظي.
سادساً: البعد التنموي والضمانات السعودية – الخليجية كركيزة للاستدامة السياسية
إن أي معالجة سياسية للقضية الجنوبية لا يمكن أن تكتسب صفة الاستدامة ما لم ترتبط بتحول ملموس في الواقع الاقتصادي والاجتماعي. فالتجارب الدولية تشير إلى أن التسويات التي تظل محصورة في الإطار الدستوري أو الترتيبي دون أن تنعكس على حياة المواطنين اليومية تبقى عرضة للتآكل التدريجي، لأن الشرعية السياسية لا تُبنى فقط عبر التوافقات النخبوية، بل عبر قدرتها على إنتاج استقرار معيشي ملموس.
ومن هنا يكتسب إدماج البعد التنموي في صلب المعالجة السياسية أهمية استراتيجية، إذ يتحول الاستقرار من كونه حالة سياسية مؤقتة إلى بنية مصلحية قائمة على تحسين الخدمات، وتوسيع فرص العمل، وتعزيز الإدارة المحلية للموارد. غير أن تحقيق هذا التحول يتجاوز القدرات الداخلية وحدها، ويفتح المجال لدور إقليمي داعم، يبرز فيه البعد السعودي – الخليجي بوصفه عاملاً حاسماً في تثبيت أي مسار انتقالي.
فالموقع الجيوسياسي للجنوب، وارتباط اقتصاده المستقبلي بمحيطه الخليجي، يجعل من الانخراط السعودي – الخليجي في دعم الاستقرار التنموي عاملاً بنيوياً في نجاح التسوية. ولا يقتصر هذا الدور على الدعم المالي، بل يمتد إلى توفير بيئة استثمارية، وتعزيز الشراكات الاقتصادية، والمساهمة في إعادة بناء البنية التحتية والمؤسسات الخدمية. كما أن الرعاية السياسية الإقليمية، وعلى رأسها الدور السعودي، تسهم في توفير مظلة ضمان للاتفاقات الانتقالية، بما يقلل من احتمالات الانتكاس ويعزز الثقة بين الأطراف.
إن هذا التلاقي بين التنمية والدعم الإقليمي يحول التسوية السياسية من مجرد ترتيبات انتقالية إلى مشروع استقرار طويل الأمد، إذ تصبح المصالح الاقتصادية المشتركة عاملاً ضابطاً للسلوك السياسي، وتتحول الضمانات السعودية – الخليجية إلى عنصر موازن يحد من مخاطر الانزلاق نحو الصراع، ويمنح المسار الانتقالي فرصة حقيقية للتجذر والاستمرار.
خاتمة
تُحيل القضية الجنوبية، في جوهرها، إلى معضلة إدارة انتقال سياسي أكثر مما تُحيل إلى معضلة اختيار شكل نهائي للدولة. فالتجربة الممتدة منذ ما بعد 1994، مروراً بحراك 2007، وتحولات ما بعد 2015، وما كشفته ترتيبات 2019، أظهرت أن اختزال الأزمة في سؤال النتيجة قبل بناء شروطها إنما يعيد إنتاجها بصيغ مختلفة.
وعليه، فإن الطريق الثالث لا يسعى إلى ترجيح كفة خيار بعينه، بل إلى إعادة ترتيب المجال السياسي بما يسمح بتحويل الصراع من معادلة وجودية إلى عملية قابلة للإدارة. إنه إطار يربط بين إعادة بناء الشراكة الداخلية، ومعالجة الذاكرة الصراعية، وتوزيع السلطة على نحو متوازن، وتنظيم العلاقة مع الشمال ضمن أفق انتقالي مفتوح، بحيث يصبح الاستقرار نتاج توازن مؤسسي ومصلحة متبادلة، لا مجرد تسوية ظرفية.
بهذا المعنى، لا يقدم هذا المسار إجابة نهائية بقدر ما يؤسس لبيئة يمكن أن تُصاغ داخلها الإجابات بصورة أقل توتراً وأكثر عقلانية.
فالقضية الجنوبية، إذا ما أُديرت كعملية تاريخية لا كلحظة حسم، قد تتحول من مصدر دائم للاضطراب إلى مدخل لإعادة بناء توازن سياسي قابل للاستمرار.
** **
باحث دراسات عُليا للعلوم السياسية - جامعة عدن