خالد بن عبدالرحمن الذييب
في المقال الماضي، ناقشنا «صخب اللحظة» الذي فرض كلماتٍ مباغتة كما حدث مع يوليوس قيصر ومدام رولان، أو كلماتٍ مزجت بين الصخب والشخصية كما عند جيفارا وخالد بن الوليد. لكننا اليوم ننتقل لزاوية أعمق؛ حيث تغدو العبارة الأخيرة مرآةً تعكس جوهر الهوية الحقيقية التي تشكلت عبر سنوات العمر؛ ففي لحظة الوداع تسقط الأقنعة.
فرعون، الذي نشأ وتربى في ترف وحاشية تبرر طغيانه، عاش متوارياً خلف قومه في كل حالاته، ويؤكد ذلك تكرار كلمة «قوم» بعدة صياغات ومعاني: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ}، {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}، بل حتى مناظرته ضد موسى عليه السلام كانت أمام قومه وكأنه يتوارى بهم، ولا يستطيع أن يفعل شيئاً بدونهم مثل الطفل المدلل الذي ينتظر العون من الجميع. كل ذلك صنع شخصية هشة ترتهن للآخرين، ولا تضمن الأمان إلا بوجودهم؛ فظل يكابر مستتراً بحاشيته، حتى وهو يرى انشقاق البحر، ولكن بمجرد أن غمره الموج وغابت عنه الحاشية، تلاشت الهيبة المصطنعة وصرخ بذعر: {آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ}. فحتى في إيمانه المتأخر، لم يقل آمنت بالله، بل ارتهن لإيمان قومٍ آخرين، وكأنه أصر أن يموت هشاً مختفياً خلف «الآخرين» كما عاش؛ فضحته الوحدة وأثبتت أنه لم يكن سوى قائد هش من الداخل.
وعلى النقيض، يبرز أبو جهل الذي أظهر اتساقاً حاداً مع كينونته المتكبرة في شخصيته، حتى في انكساره. فعناده لم يكن جهلاً بحقيقة الرسالة الإسلامية، ويؤكدها ما ينسب له: «كنا وبني هاشم كفرسي رهان»! بقدر ما كان استكباراً وحبساً لنفسه في صراع سيادة «من منظوره الضيق»؛ إذ لم يستوعب بذهنيته القبلية أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم أسمى من مجرد تنافسٍ على زعامة، بل هي دعوة للعالمين.
عبارته الأخيرة لابن مسعود: «لقد ارتقيت مرتقى صعباً يا رويعي الغنم»، كانت إعلان شخصية صلبة في باطلها، وفية لغطرسة جاهلية لم تتبدل، موضحاً الفرق بين «كفر الضعف والارتهان» عند فرعون، و»كفر العناد والاعتزاز الآثم بالذات» عند أبي جهل. وفي سياق مختلف، احتفظت ماري أنطوانيت ببروتوكولاتها حتى وهي تُساق للمقصلة؛ فحين دهست قدم الجلاد، اعتذرت بتهذيب: «أعتذر، لم أقصد»، فقد صار «الإتيكيت» جزءاً من هويتها، نتيجة بيئة وتربية ارستقراطية عاشتها في حياتها، أما سيبويه، فقد انشغل بالنحو حتى في أنفاسه الأخيرة: «أموت وفي نفسي شيء من (حتى)». وصولاً إلى ماركس والذي سئل إن كان هناك كلمات أخيرة يريد قولها فرد بعنفوان: «الكلمات الأخيرة للأغبياء الذين لم يملكوا الوقت الكافي لقول كل شيء»، في حالة عكست شخصية ماركس المؤثرة إلى اليوم حتى وإن خفت هذا التأثير.
أخيراً...
الكلمات الأخيرة إما أن تعكس سيرة الإنسان أو صخب اللحظة
ما بعد أخيراً...
هي ومضة تضيء ظلام الوداع قبل أن ينطفئ النور للأبد.