سارة الشهري
في كل عام، ومع دخول شهر رمضان، تتزيَّن الشاشات بالمسلسلات والإعلانات ذات الطابع القديم، نشاهد أزقّة ضيّقة تضيئها الفوانيس، بيوت متلاصقة تتبادل الصحون قبل الأذان، وأصوات المقرئين تتردّد من مذياعٍ عتيق. فجأةً نشعر بدفءٍ غامر، ونقول ما أجمل تلك الأيام! كأنّ الزمن القديم كان أكثر صفاءً، وأكثر رحمةً، وأكثر قرباً من الروح. تلك الحالة الشعورية التي تعترينا تُسمّى (نستولوجيا) وهي حنينٌ إلى الماضي، لا بوصفه زمناً فحسب، بل بوصفه معنى وسكينة.
رمضان بطبيعته شهر ذاكرة. فيه تتكرّر الطقوس نفسها كل عام، وقت الإفطار، مائدة تجمع الأسرة، صلاة التراويح، سهرات السمر البسيطة. هذا التكرار يمنح الشهر خصوصيةً تجعل الذكريات تتراكم فيه أكثر من غيره. فكلّ رمضان جديد يوقظ رمضاناتٍ قديمة، وكلُّ رائحة سمبوسةٍ أو صوت دعاء يعيدنا سنوات إلى الوراء، إلى وجوه غابت، وأماكن تغيّرت، وأزمنة تبدّلت.
نحن لا نشتاق إلى الماضي لأنه كان كاملاً، بل لأننا كنّا فيه أبسط. كانت فرحتنا بالفانوس تكفينا، وكانت قطعة الحلوى حدثاً عظيماً، وكانت الجلسة العائلية أغنى من أي وسيلة ترفيه حديثة. الحنين هنا ليس إلى الأشياء ذاتها، بل إلى شعور البراءة والأمان الذي كان يحيط بها. لذلك يحنّ أجدادنا أيضاً إلى (زمنهم الجميل)، كما نحن نحنّ إلى طفولتنا. إنها طبيعة الإنسان يُجمّل ما مضى، لأن الذكرى تُنقّي الألم وتُبقي الودّ.
وتلعب الدراما والإعلانات دوراً كبيراً في استحضار هذه المشاعر؛ فهي تعيد تشكيل صورة الماضي بألوانٍ دافئة وإيقاعٍ هادئ، وتُبرز قيم البساطة والتكافل والجيرة الطيبة، فنشعر بأنّ العلاقات كانت أمتن، والقلوب أقرب، والوقت أوسع. وربما في هذا الاستدعاء رسالة خفيّة، أن نستعيد روح تلك الأيام، لا شكلها فقط.
لكنّ نستولوجيا رمضان ينبغي ألا تتحوّل إلى مقارنةٍ قاسية بين الأمس واليوم، أو إلى رفضٍ للحاضر. فلكل زمن جماله الخاص، ولكل جيلٍ تحدياته وفرصه. قد اختلفت الوسائل، لكن المعاني الكبرى لرمضان باقية، الرحمة، العطاء، الصلة، والتزكية. ويمكننا أن نصنع لأبنائنا (ماضياً جميلاً) يحنّون إليه يوماً ما، إذا ملأنا حاضرهم بالمحبة والدفء والذكريات الصادقة.
إنّ الحنين للماضي ليس هروباً من الواقع، بل جسر يربطنا بجذورنا. وفي رمضان، يصبح هذا الجسر أكثر وضوحاً، تمتدّ عليه دعوات الأمهات، وضحكات الإخوة، وأصوات المآذن، فنمشي عليه بقلوبٍ ممتنّة. وبينما نتأمّل صور (زمن الأولين)، ندرك أن أجمل ما فيه لم يكن الزمن ذاته، بل الروح التي سكنته.
وهكذا يبقى رمضان موسماً للذكرى كما هو موسم للعبادة، نعيش حاضره، ونستضيء بماضيه، ونصنع به مستقبلاً أكثر دفئاً، ولعلّنا حين نلتفت بعد سنوات نقول عن أيامنا هذه ما أجملها