جانبي فروقة
«وَإِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرًا» جملةٌ قصيرة بليغة صمدت لقرون تختصر علاقة الإنسان بالكلمة منذ فجر التاريخ فالبيان في أصله هو القدرة على الإيضاح وترتيب فوضى العالم في صورة لتقديم معنى مفهوم لكننا اليوم نجد أنفسنا أمام تحول درامي وأمام سؤال وجودي وهو ماذا يحدث حين يتحول «البيان» من كلمة تُقال بصوت بشري جهوري إلى «بيانات» تُخزن في مراكز بيانات عملاقة؟ وكيف تحول الخطاب الذي يُلقى على المنابر إلى خوارزمية تتنبأ بما سنفعله غداً؟
في الماضي كان البيان سحراً لأنه يؤثر في القلوب فالخطيب البليغ كان يمتلك القدرة على تغيير مزاج قبيلة كاملة أو تحريك جيوش أما اليوم لم تعد البلاغة اللفظية وحدها هي السحر بل انتقل هذا التأثير من المنبر إلى سحر «الخادم السحابي» فاليوم وفي كل مرة نفتح فيها هاتفنا نترك خلفنا أثراً رقمياً صغيراً من إعجاب هنا، بحث هناك، رسالة قصيرة، صورة، موقع جغرافي. هذه الشظايا اليومية ليست مجرد بيانات عابرة إنها الوقود الذي يُغذّي أكبر ثورة تقنية في عصرنا: الذكاء الاصطناعي.
فالبيانات اليوم وهي جمع بيان لم تعد مجرد كلمات متناثرة بل أصبحت أنماطاً وتفضيلات وسلوكيات وهي إشارات دقيقة تخبر الآلة من نكون وماذا نحب وكيف سنتصرف. وكما تقول الدكتورة هيلين توماس (خبيرة الذكاء الاصطناعي في معهد مستقبل العمل): «الذكاء الاصطناعي لم يعد رفاهية بحثية إنه عنصر بنيوي في مستقبل العمل والشركات التي لا تعتمده تصبح غير قادرة على المنافسة».
ثمة فرق جوهري بين «سحر البيان» و«سحر البيانات» فالبلاغة الكلاسيكية كانت تحاول إقناعك أما البيانات الحديثة فهي تتوقعك، قديماً كنت تسمع الشاعر فتتأثر بكلماته أما اليوم فالخوارزمية تعرف أنك ستتأثر قبل أن تقع عينك على المحتوى أصلاً وهنا يتحول السحر من قوة لفظية إلى قوة حسابية ومن فن الإقناع إلى علم التوجيه. ويشير بريان كلارك مدير بحوث التعلم الآلي، إلى أن هذا التسارع لا يتعلق فقط بحجم البيانات، بل بكيفية توظيفها في سياقات واقعية معقدة وهو ما يمنح الخوارزميات قدرة فائقة على التأثير فينا قبل أن ندرك ذلك.
في الاقتصاد اليوم أصبحت القدرة على التنبؤ هي المحرك الرئيس للنمو وتؤكد سوزان لي ( أستاذة الاقتصاد الرقمي) أنه عندما تصبح التنبؤات رخيصة بفضل الذكاء الاصطناعي، يتغير السؤال الجوهري من «هل يمكننا أن نتنبأ؟» إلى «ماذا سنفعل بهذه التنبؤات؟» لكن هذا الوعد التقني يحمل ثقلاً أخلاقياً كبيراً فبينما يمكن للذكاء الاصطناعي إضافة تريليونات الدولارات للناتج العالمي يحذر الخبراء مثل الدكتور أمير الحسيني من أن توزيع هذه القيمة لن يكون عادلاً حيث يقول: «الذكاء الاصطناعي قد يعمّق فجوة الثروة بين الشركات الكبرى والدول المتقدمة، وبين المهن المتخصصة والتقليدية». والمظلة الأخلاقية للسطوة الرقمية تطفو على السطح ففي عصر البيان الكلاسيكي، كان المتكلم مسؤولاً أخلاقياً عن كلمته. أما في عالم البيانات، فالمسؤولية موزعة وغامضة: من الذي جمع البيانات؟ من صمم الخوارزمية؟ ومن قرر استخدام النتائج؟ ويحذر البروفيسور كريستوفر يونغ (رئيس مركز أبحاث الأخلاقيات الرقمية) من أن التهديدات الناجمة عن إساءة استخدام هذه التكنولوجيا ليست خيالاً علمياً بل هي واقع نعيشه اليوم من الهجمات السيبرانية إلى تزييف المعلومات لذا أصبح من الضروري وجود إطار تنظيمي عالمي لضمان الاستخدام الآمن كما تطالب ليزا سميث مستشارة سياسات التقنية في الاتحاد الدولي للاتصالات.
إذا عدنا للمعنى اللغوي فإن «البيان» هو الإيضاح والكشف وبهذا المعنى قد تكون البيانات هي «بيان الواقع» ولكن بلغة رياضية إحصائية فالخطيب القديم كان يقرأ وجوه الناس ليختار كلماته بينما الخوارزمية تقرأ ملايين السلوكيات لتقدم توصياتها وجيل اليوم لا يُسحر بفصاحة الجملة بقدر ما يُسحر بدقة «التخصيص» وبمعنى آخر إذا كان البيان يدهشك، فالبيانات «تفهمك» وهنا تكمن القوة الأخطر في عصرنا الحالي. البيان في صيغة المفرد كان فناً يقنع فرداً، أما البيانات في صيغة الجمع فقد أصبحت نظاماً يعيد تشكيل مجتمع بالكامل. السحر لم يختفِ بل تحول من لسانٍ بليغ إلى خوارزمية صامتة تعمل في الخلفية. وبحسب رؤية الخبير ماركوس ويليامز يقول: «السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغيّر العالم بل: هل سنغيّر القواعد قبل أن تغيّرنا؟» فالمستقبل نحن نصنعه والبيانات هي الوقود لكننا نحن من يجب أن يمسك بزمام الأخلاق والقرار.
مع الحماس المدوي حول الذكاء الاصطناعي هناك قلق وجودي حول مخاطره والذكاء الاصطناعي وصل إلى مرحلة انتقل فيها من كونه إنجازا تقنيا مبهرا إلى قضية سياسية وأخلاقية عالمية وبينما يستمر السباق نحو أنظمة أكثر تطورا وكفاءة تتعاظم الحاجة إلى حوكمة رشيدة تضمن الحد الأدنى من العدالة.