رمضان جريدي العنزي
قال لي لقد تجاوزت التسعين عاماً من العمر، وكما ترى، لقد وهن جسدي وذبل، أدركت عندها أن العمر لم يعد أرقاماً تتراكم، بل ذكريات تتساقط كأوراق شجرة في خريف لا ينتهي، وأن أغلب الوجوه التي شاركتني الضحكة والحزن قد غابت بشكل أبدي، بعضهم أصدقاء طفولة، ورفاق عمل، وأقارب، وجيران، صاروا مجرد أسماء في الذاكرة، تاركين في الصدر فراغاً يشبه نافذةً مكسورةً تُدخل الريح الباردة، إنه شعور من أعمق ما يمكن أن يدركه الإنسان أو يستوعبه، إحساس مثل خطوط رفيعة محفورة في جلد الروح، لا تدمي، لكنها توجع، ربما في هذا الخريف المتأخر من العمر، يصبح الأجمل أن نجمع ما تبقى من الذكريات الجميلة، ونرويها لمن حولنا، الأبناء، الأحفاد، أو حتى لأنفسنا في لحظات السكون، لكي تصبح جذورا حية لا تذبل، نتنفسها كفراغ عميق، ونهمس للجدران عن كل شيء، كم كنت مكتظاً بالعمل والجد والترحال والطموح والآمال والصخب، والآن أنا والصمت والذكريات نتقاسم السرير الواحد، ربما يكون هذا هو الثمن الأخير للعمر الطويل، أن تصير أنت الذاكرة الحية الوحيدة لمن رحلوا، حاملاً أسماءهم كأحجارٍ ثقيلة في جيبِ روحك، تسير بها نحو النهاية حتى تسقط الأخيرةُ منها، فتبقى أنت، ثم لا يبقى شيء، الذكريات أصبحت عندي كطيف يمر سريعاً في غرفة مظلمة، يلمع للحظة ثم يذوب في العتمة، قلبي الآن يئن أنيناً خفيّاً كأنه ريح محبوسةٌ في كهف قديم، لأنني سأصبح ذكرى تُروى ثم تُطوى، في هذا الخريفِ المتأخِّرِ من العمر، أدركت أن أجمل ما تبقى ليس الذكريات نفسها، بل القدرة على أن أحملها دون أن تنكسر، وأن أروي بعضها لمن يأتي بعدي، أنا الآن كشجرةٍ عتيقة وقفت على حافة الوادي، جذورها عميقةٌ، وأغصانُها شبه يابسة، خريف العمر موجع، كشق في الصدر لا يندمل، لكنه يبقى نقي كالماء يغسل الروح، يجرد الإنسان من كل شيء إلا روحه، لقد عرفت وأيقنت بعد هذا العمر الطويل، بأن الحياة حتى في أوج ألمها، كانت تستحق أن تُعاش بكل عمقها وتفاصيلها، كلامي ليس رفاهية، بل هو الدليل الوحيد على أننا كُنا أحياء حقاً، حتى في أوج الصخب والتعب والمشاكسة والضحكة والصرخة المكتومة، كانت الحياة عندي تستحق أن أحضنها بكامل وهنها وتعبها، وأن أقبلها كما هي، الآن أنا أعيش الحد الفاصل بين الحياة والرحيل، بين الأمل والوداع، بين الذكريات الماضية وتقلبات الروح، بين القلق والتأمل، الحد الفاصل الذي أنتظره قد لا يكون لحظة زمنية، بلالة روحية، نقطة صفاء أتصالح فيها مع ما كان، وأطمئن إلى ما سيكون، في الخريف تتساقط الأوراق، لكن الشجرة الصلبة لا تموت، بل تخفف عن نفسها لتستعد لسلام أعمق، ربما أجمل ما في خريف العمر، أن الإنسان يتعلم كيف برى أن الشروق يسكن داخل الغروب، وأن الضوء لا يغيب، بل يغير موضعه فقط، وكذلك الظل.