علي حسن حسون
نحن وأفكارنا.. من يقود من؟
العقل بطبيعته لا يتوقف، يعمل على مدار الساعة، لا يعرف السكون، وتجوبه الذكريات من كل حدبٍ وصوب، يلتقط موقفًا عابرًا من سنوات مضت، يعيد تشغيله بتفاصيله الدقيقة، وكأنه حدث قبل لحظات. يمضي بنا مع لحظات سعادة فنبتسم، ثم لا يلبث أن يستدعي ذكرى مؤلمة فتتبدل حالتنا فجأة، دون مقدمات واضحة ونحن أشبه بمؤشر بورصة يتقلب بين ارتفاع الفرح وهبوط الحزن، لا لشيء يحدث في الخارج، بل لما يُعاد بثّه في الداخل.
لم يقف العقل عند حدود الماضي، بل يمتد بخيوطه إلى المستقبل، فيصنع التوقعات ويغذي الاحتمالات. يبدأ بالتخطيط، ثم يتحول التخطيط إلى قلق، ويتحول القلق إلى مشاعر حقيقية نعيشها قبل أن يحدث أي شيء. فإذا تخيلنا أن القادم أفضل، تسرب إلينا شعور بالأمل والسعادة، وإذا رسم لنا صورة قاتمة لما سيأتي، تملّكنا الخوف والتوتر. وفي كلتا الحالتين، نحن لا نتعامل مع واقع، بل مع تصورات ذهنية. إنها مشاعر حقيقية لأحداث غير حقيقية بعد.
هكذا يسرقنا العقل من اللحظة مرتين: مرة إلى الوراء، ومرة إلى الأمام أما الحاضر، فيبقى مهملاً، كأنه محطة عبور لا مكان إقامة وينشغل وعينا بما كان أو بما سيكون، ونادراً ما نلتفت إلى ما هو كائن بالفعل ونادراً ما نمنح اللحظة التي نعيشها كامل انتباهنا.
يقول إيكهارت تول: «العقل أداة رائعة إذا استُخدمت بشكل صحيح، لكنه يصبح سيدًا قاسيًا إذا تُرك دون وعي».
المشكلة ليست في العقل ذاته، بل في اندماجنا الكامل مع أفكاره، نحن لا نلاحظ أننا نفكر، بل نصبح التفكير نفسه لا نرى الفكرة كفكرة، بل نعيشها كحقيقة مطلقة.
ولكي نستعيد حضورنا في «الآن»، لا بد أولًا أن نفرّق بين ذواتنا وأفكارنا، بين من نحن، وما يدور في أذهاننا، الفكرة شيء نملكه، وليست شيئًا نكونه والمشاعر حالة نمر بها، وليست هويتنا الدائمة وحين ندرك هذه المسافة الصغيرة بيننا وبين أفكارنا، يبدأ شيء من الهدوء في التكوّن.
لكن يبقى السؤال الأعمق: إذا كان الحاضر هو الحقيقة الوحيدة التي نملكها، فلماذا نصرّ على مغادرته؟ ولماذا يبدو الهروب إلى الماضي أو المستقبل أسهل من البقاء هنا، في هذه اللحظة؟
ذلك ما سنحاول الاقتراب منه في المقال القادم وللحديث بقية.