إبراهيم بن يوسف المالك
في كثير من النقاشات السياسية والأمنية، يقع المحللون وصنّاع الرأي في فخّ مريح: ربط القرار بما هو مرجّح الحدوث، لا بما هو غير مقبول الوقوع. هذا الفارق الدقيق بين “الاحتمال” و“الكلفة”، هو ما يفصل عادةً بين إدارة يومية للأحداث، وبين حكم إستراتيجي حقيقي في لحظات التحوّل.
الدول لا تُدار بمنطق القانون وحده، ولا بالرهان على النوايا، ولا حتى بالاطمئنان إلى صعوبة تحقق السيناريوهات. في القضايا السيادية والأمنية، لا يكفي أن يكون الخطر ضعيف الاحتمال؛ يكفي أن يكون عالي الكلفة حتى يصبح التعامل معه واجبًا، لا خيارًا.
التاريخ الحديث مليء بأمثلة لوقائع لم تكن مرجّحة، لكنها حين حدثت أعادت رسم الجغرافيا والسياسة والاقتصاد. كثير من تلك الوقائع لم تبدأ باعتراف دولي، ولا بإجماع سياسي، بل بدأت بفراغ، أو تجاهل، أو سوء تقدير. ثم، بعد أن وقعت، بدا كل شيء “بديهيًا” في نظر من جاءوا لاحقًا.
الخطأ الشائع هو الاعتقاد أن ضعف الفاعل، أو غياب الاعتراف الدولي، أو تعقيد المسار القانوني، كفيل بإسقاط الخطر. هذا منطق مريح، لكنه مضلل. فالدول العاقلة لا تسأل فقط: هل سيحدث هذا؟ بل تسأل السؤال الأصعب: ماذا لو حدث؟ وهل يمكن تحمّل كلفته؟
في البيئات الإقليمية، حيث تتقاطع الطموحات والنفوذ والممرات الحيوية، تصبح بعض السيناريوهات حتى إن بدت بعيدة فهي غير قابلة للتجاهل. ليس لأنها محتومة، بل لأن وقوعها سيغيّر معادلات أساسية لا يمكن تعويضها. هنا، يتحوّل القرار من ردّ فعل إلى منع استباقي، ومن إدارة أزمة إلى إدارة مخاطرة.
القيادة الإستراتيجية لا تنتظر اكتمال الأدلة، ولا تطلب راحة اليقين قبل التحرك. هي تقبل العمل في منطقة الرمادي، حيث المعلومات ناقصة، والضغوط عالية، والنتائج غير مضمونة. في هذه المنطقة تحديدًا تُختبر الحكمة: هل نؤجل القرار لأن الاحتمال ضعيف؟ أم نتحمل كلفة التحرك المبكر لأن الكلفة المحتملة لاحقًا غير مقبولة؟
غالبًا ما تكون القرارات الأكثر تأثيرًا هي الأقل صخبًا. لا تُعلن في بيانات، ولا تُسوّق في مؤتمرات، ولا تُقاس فورًا بنتائج ملموسة. تُتخذ بصمت، وتُحمى بالالتزام، ويُراهن فيها على الزمن أكثر من الرأي العام. وبعد سنوات، حين يستقر المشهد، تُقرأ تلك القرارات على أنها “طبيعية” أو “واضحة”، ويُنسى ثقلها لحظة اتخاذها.
في لحظات، لا يكون التحدي في اختيار البديل الأفضل بين خيارات واضحة، بل في الالتزام بقرار غير مريح في ظل ضبابية عالية. هنا يظهر الفرق بين من يدير السياسة، ومن يحمي الدولة. فالأمن القومي لا يُقاس بمدى صحة التحليل القانوني، بل بقدرة القرار على حماية ما لا يمكن تعويضه إذا ضاع.
لهذا، فإن الحكم الإستراتيجي الحقيقي لا يتجاهل السيناريوهات غير المرجّحة، ولا يضخمها، بل يضعها في ميزان الكلفة والضرر. وحين تكون الكلفة وجودية، يصبح المنع-ولو بصمت- أكثر عقلانية من الانتظار، وأكثر مسؤولية من المجازفة.