فائز بن سلمان الحمدي
حين يوشكُ النهارُ أن يُسلِّم مفاتيحَه للمساء، وحين تتعانقُ في الأفق خيوطُ الشَّفَق بنداءِ الأذان، لا يعود الإفطارُ مجرّد لحظةٍ زمنيّة تُطوى بها صفحةُ الجوع، بل يغدو مشهدًا كونيًّا تتجلّى فيه معاني الرَّحمة، وتُستدعى فيه أخوّةُ الإيمان من أقاصي القلوب. هناك، حيث تمتدّ المآذنُ كأنّها أصابعُ نورٍ تشير إلى السّماء، وحيث تتراصّ الأجسادُ في صفوفٍ تشبه انتظام الدعاء في الصدور، تتشكّل من رمضان صورةٌ أخرى: صورةُ أُمّةٍ إذا اجتمعت على الخير، أعادت للزمن بهاءه، وللمكان قدسيّتَه، وللإنسان كرامتَه. وفي ذلك الأفق المضيء بنفحات المغفرة، شهدت مدينة سورابايا مشهدًا يليق بعظمة المعنى؛ إذ احتشد أكثر من (21,500) صائمٍ على مائدةٍ واحدة، في أكبر تجمّعٍ بشريٍّ على مائدة الإفطار للعام 1447هـ، ضمن برنامج خادم الحرمين الشريفين لتفطير الصائمين، الذي نفّذته وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد في الجامع الأكبر. فكان الحدث شهادةً حيّة على أنّ الخير، حين تتبنّاه الدول بروح الرسالة، يتحوّل من فعل إحسانٍ عابر إلى خطابٍ حضاريٍّ مقيم، يُقرأ بلغة القلوب قبل أن يُتلى بلغة الكلمات.
ولم يكن هذا الاجتماع المبارك وليدَ لحظةٍ موسميّة، ولا ومضةَ إحسانٍ عاطفيّ، بل هو امتدادٌ لرسالةٍ ضاربة الجذور في وجدان الدولة السعودية منذ نشأتها؛ رسالةٍ ترى في الإسلام هويةً جامعة، وفي خدمة المسلمين واجبًا شرعيًّا قبل أن يكون دورًا سياسيًّا أو حضورًا دوليًّا. فالمملكة العربية السعودية، وهي تحمل شرف رعاية الحرمين الشريفين، لم تجعل من هذه المكانة رمزًا بروتوكوليًّا، بل حمّلتها معنى الأمانة التاريخية تجاه أمّةٍ تتطلّع إلى من يقودها بقيم الدين لا بمنطق الغلبة، ويحتضن تنوّعها بوحدة العقيدة لا بتنازع المصالح.
وتحت قيادة خادم الحرمين الشريفين وسموّ وليّ عهده الأمين - حفظهما الله - تمضي المملكة في ترسيخ دورها الإسلاميّ بوصفها دولة رسالة، لا تكتفي بصون المقدّسات، بل تُجدّد معاني الريادة الدينية في عالمٍ تتنازعه الاضطرابات وتثقله النزاعات وسوء الفهم عن الإسلام. قيادةٌ استوعبت أنّ مسؤولية الحرمين ليست في عمران الحجر وحده، بل في عمارة المعنى، وأنّ نصرة الإسلام لا تكون بالصوت المرتفع، بل بالفعل الهادئ الذي يبلغ القلوب بلا ضجيج، ويؤسّس للوسطية منهجًا، وللاعتدال سلوكًا، وللرحمة خطابًا يعبر الحدود.
ومن هذا الفهم العميق، تتدفّق موائد الإفطار السعودية إلى أطراف العالم الإسلامي، حيث يقيم الصائمون غرباء عن الأوطان، قريبين من الله، فيجدون في عطاء المملكة قِرىً روحيًّا يرمّم وحشة الغربة، ويجسّر مسافات الجغرافيا بمعنى الأخوّة الإيمانية. هناك، حيث يضيق العالم على الإنسان بوطأة الحاجة، تتّسع يد المملكة بما يشبه المعنى القرآني للعطاء: عطاءٌ لا يُشعر المُعطَى بثقل المنّة، بل يردّ إليه كرامته، ويذكّره أنّ في هذه الأمّة قلبًا كبيرًا لا يزال ينبض باسم الإسلام. وقد تجلّى هذا الحضور المؤسسيّ المتقن في أداء وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، التي أدارت المشهد بوعيٍ رساليٍّ قبل أن تُديره بإجراءٍ إداريّ. فاختيار المكان ذي الرمزية الدينية، وحُسن التنظيم، ودقّة التنفيذ، كلّها عناصر صاغت الإفطار بوصفه خطابًا حضاريًّا مركّبًا: غذاءً للجسد، وسكينةً للروح، وتجسيدًا حيًّا لمعنى الأمّة الواحدة حين تجتمع على مائدة التوحيد، وتستظلّ بقيمٍ لا تعرف حدودًا ولا تعترف بالحواجز. وفي قلب هذا الجهد، يبرز دور معالي الشيخ الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ، وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، الذي مضت الوزارة في عهده بخطى واثقة لتحويل برامج التفطير من أعمالٍ موسمية إلى منصّات تواصل حضاريّ مع الشعوب الإسلامية، تُعرّف بنهج المملكة الوسطيّ، وتُقرّب العالم من صورتها الحقيقية: دولة قيمٍ قبل أن تكون دولة موارد، ودولة رسالةٍ قبل أن تكون دولة نفوذ. فالحضور القيادي هنا حضور رؤيةٍ تُحسن قراءة المقاصد، وتدرك أنّ الدعوة إذا اقترنت بالرّحمة بلغت القلوب قبل المنابر، وسبق الأثر فيها صدى الخطاب.
وفي رحاب الجامع الأكبر بسورابايا، بدا المشهد وكأنّ المملكة حاضرةٌ في تفاصيله كلّها: في انتظام الصفوف، وفي أدب التنظيم، وفي لغة الخطاب الديني المصاحب، وفي الروح المؤسسية التي أحاطت الحدث من أوّله إلى آخره، لم تكن الوزارة مجرّد جهة تنفيذ، بل صانعةَ صورة، وحارسةَ رسالة، ووسيطًا أمينًا بين قيادةٍ سخّرت إمكاناتها لخدمة الإسلام، وشعوبٍ وجدت في هذا العطاء صدى رحمةٍ طالما انتظرتها في مواسم القرب من الله.
وهكذا تحوّل الإفطار الجماعي في سورابايا من مناسبةٍ رمضانية إلى بيانٍ أخلاقيٍّ صامت، يقول للعالم إنّ المملكة العربية السعودية لا تحضر في الجغرافيا فحسب، بل تحضر في الضمير الإسلامي، وتكتب حضورها في ذاكرة الشعوب بالأفعال قبل الأقوال. فطوبى لمائدةٍ جمعت هذا الحشد على كلمة الله، وطوبى لدولةٍ جعلت من خدمة الإيمان جزءًا من هويّتها، ومن نصرة المسلمين جوهر رسالتها، ومن القيادة أمانةً تُؤدّى لا سلطةً تُمارَس. وفي رمضان، حيث تتجلّى القلوب على حقيقتها، تتبدّى المملكة كما هي: دولةً تحمل الإسلام في رؤيتها، وتزرع معانيه في الواقع، وتجعل من كلّ يدٍ ممدودةٍ باسمها وعدًا متجدّدًا بأنّ الخير، ما دام له راعٍ من دولةٍ وقيادة، لن ينقطع عن الإنسان مهما تباعدت الدروب.