د. طلال الحربي
في زحام المدن الكبرى تظل بعض القصص الإنسانية هي الأجمل والأبقى. وقصة جامعة الأمير سلطان في الرياض واحدة من تلك الحكايات التي لا تروى فقط عن حجر وبنيان، بل عن وفاء أخ لأخيه، وعن مدينة تريد أن تخلد ذكرى من أحبّتهم.
هناك، في قلب العاصمة، تقف هذه الجامعة شامخة، ليس فقط كمؤسسة أكاديمية مرموقة، بل كرمز حي لمعنى العطاء الذي لا ينتهي بالموت.
البداية كانت بلمسة وفاء نادرة. حينما كان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله ورعاه- أميراً للرياض، أراد أن يكرم شقيقه الأمير سلطان بن عبدالعزيز -رحمه الله- بما يستحق، فكانت الفكرة: جامعة تحمل اسمه، تكون تخليداً لرجل أحب الخير لأبناء وطنه.
لكن الجميل في الأمر أن الفكرة لاقت احتضاناً من الأمير سلطان ودعماً من أهالي الرياض أنفسهم، الذين شاركوا في هذا الوفاء، ليصبح المشروع قصة وطن قبل أن يكون صرحاً أكاديمياً.
ومع مرور السنوات، لم تبقَ الجامعة مجرد فكرة جميلة. هي اليوم واحدة من أبرز المؤسسات التعليمية في المملكة، تخرج أجيالاً تحمل شهادات بجودة عالمية، وتشارك بفاعلية في تحقيق رؤية المملكة 2030. ففي ممراتها وفصولها، تجد شباباً وفتيات يُعدون إعداداً راقياً، ليس فقط لسوق العمل، ولكن ليكونوا قادة الغد في بلد يضع الإنسان نصب عينيه.
يقف خلف هذه المسيرة المتميزة رجل يستحق الوقوف عنده طويلاً. إنه صاحب السمو الأمير الدكتور عبدالعزيز بن محمد بن عيّاف، رئيس مجلس أمناء الجامعة. وسموه -وهو الشخصية الوطنية المعروفة بعطائها الكبير- لا يترك صغيرة ولا كبيرة في شأن الجامعة إلا ويكون لها بالمرصاد. رغم المسؤوليات الجسام التي يحملها على كتفيه، تجده حريصاً على متابعة أدق تفاصيل العمل الأكاديمي، وكأن الجامعة هي ابنه الوحيد. وهذا الحرص ليس وليد اليوم، بل هو نهج دأب عليه منذ سنوات، جعل من الجامعة صرحاً يتطور باستمرار ويواكب أحدث ما توصلت إليه العلوم.
وآخر هذه المبادرات التي تعكس روح التجديد والمواكبة، جاءت قبل أيام عندما وجّه سموه بتأسيس دار نشر خاصة بالجامعة. والقرار هذا في نظري، أعمق من كونه مجرد إضافة تنظيمية. هو إيمان عميق بأن الجامعات العريقة لا تقاس فقط بعدد خريجيها، بل بمدى إسهامها في إنتاج المعرفة ونشرها؛ فالدار الجديدة ستكون نافذة للباحثين والأكاديميين والمبدعين، ليس فقط في المملكة، بل في المنطقة كلها، ليعرضوا إنتاجهم الفكري والثقافي. وهي خطوة طموحة تضع جامعة الأمير سلطان في مصاف المؤسسات التي لا تستهلك المعرفة فقط، بل تصدرها وتثرِي بها العالم.
والجميل في رؤية الدار الجديدة، أنها لا تقتصر على المجالات الأكاديمية الجافة، بل ستغطي مساحات واسعة من الإبداع الثقافي المتنوع. وهذا يعكس فهماً عميقاً بأن المعرفة الحقيقية هي مزيج متكامل من العلم والإبداع، من البحث الدقيق والروح الإنسانية.
طبعاً، الحديث عن جامعة الأمير سلطان لا يكتمل دون التوقف عند الشراكات النوعية التي تعقدها، سواء مع مؤسسات محلية أو جامعات عالمية مرموقة؛ هذه الشراكات ليست للزينة في بروشورات التعريف، بل هي جسور حقيقية يمر عبرها الطلاب وأعضاء هيئة التدريس ليحتكوا بتجارب عالمية، ويعودوا بها إلى وطنهم. وهذا كله يصب في هدف واحد: تخريج جيل واعٍ، منتمٍ، ومنافس عالمياً. تماماً كما تريد رؤية 2030، التي تضع التعليم الجيد في صدارة أولوياتها.
الرياض اليوم تزخر بالكثير من المؤسسات التعليمية المهمة، لكن لجامعة الأمير سلطان نكهة خاصة. نكهة من يصنع من الوفاء ذكرى، ومن الذكرى منارة تضيء للأجيال طريقها.
تحية لكل من ساهم في هذه المسيرة، بدءاً من صاحب الفكرة خادم الحرمين الشريفين حفظه الله، مروراً بأهالي الرياض الأوفياء، وصولاً إلى سمو الأمير الدكتور عبدالعزيز بن عيّاف وفريق العمل، الذين لا يكلون ولا يملون في رفع راية العلم عالياً.