عبدالمحسن بن علي المطلق
في حق، وقدر ما يلزمنا.. قبيل «التندّم» أكتب المادة (أقصد تعديلاتها) ونحن نُكاد نُنهي ثلثه.
والعجيب أننا بالأمس كنا نُرسل المباركات في بلوغه، وها.. قد حلّ أعني به الضيف الخفيف الظل، فالآية {أيام معدوات} قطعت بهذه، أقصد خفائف انصرام أيامه والليالي..
فهو عما قليل سوف يمضي، ولعام قابل يبقى الانتظار لمن فاته الركب.. أعني استثمار أيامه صياما، ولياليه قياماً.
فـ .. بهذه الفترة- تحديداً أذكر.. حتى لا يقل قائل إذا ما اقترب العيد يا (رمضان) علاما.. (سريعاً أزمعت الرحيل)!، فالأيام لا تقف، والزمان عجلاته تتقدم لما قُدِّر لها ولا تتأخر، و.. المرام أن من الآن فعّل همّتك، ولا تتوانى، فما.. ماض بمستردّ، ولا ندم يُعيد حسراته اللبن للضرع... فكلنا يذكر ما نردده في دعاء (ختم) رمضان: (اللهم أعده علينا شهورا عديدة وأزمنة مديدة)، كما وكلنا يذكر لغتنا (الحزينة) وهي تشيّعه ليلة -هلال- العيد.. بخاصة.
ها هو بفضل الله علينا حلّ، وأعني لنشمّر عن السواعد، فنرُي الله ما نصنع، كي لا تكون أمانينا هي محضّ ادّعاء.. مما اختبئ داخلنا لهذا الشهر!، كيف.. وقد أخبرت آية {أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ} [البقرة:184] كناية «تقليل» إذا ما قيست بـ بقية أيام العام، لأنهن دون العُشر من مجموعها، ومع أن لغة العرب أخبرت أن (المعدود) هو ما دون العشر، فهي تدل على القلة (حتى العشرة)، لكن أتت من وجه تقليل لهن -على الأرجح- تهوينا للصائم.
ولئن كانت الجمعة خير الأيام، وبرنامجنا فيها مختلف، فهو كذلك بين الشهور..
وحسبنا جملة سيدنا جابر رضي الله عنه (لا يكن يوم صومك كيوم فطرك)، فما في طيها من رسالة تعجّب لمن حاله هي على حالها لم تتسنه مع المواسم، أو تتبدّل!، هذا.. وفي فحوى جملة (لا تكن حالك قبل رمضان هي ذاتها بعده..) أن المقصد الذي في بطن الكلام منبأً عن تلك الدورة الغزيرة، و.. ماذا أودعت بك من «روحانيات» تسمو بذاتك للأعلى.
أو لا أقل من (عودة) عن تقصير عرفته بنفسك، وإلا فكم يثقل على العاقل ان يخوض تجربة فيخرج من جلائل منافعها خال الوفاض!
فالثلاثون يوما دورة قصيرة نعم، لكنها مكثّفة ومن الخيرات مثرية، درجة أن من الصالحين من يبكِّر بزكاته في توقيتها حال رمضان، أي قبل تمام الحول عليها، لأن الحث على العمل الصالح فيه مضاعف ثوابه، مع ملحظ (..لم يأت الشرع ببيان الثواب على سبيل التفصيل)، وهذا الصنيع هو من الفقه الذي استيعابه لا يقف على الخواص، بل بلغه كل من أعمل عقله، ووظّف مداركه، ولم أعجب لذاك الذي نهر من قال له (جزاك الله ألف خير)، بـ.. ولم تُحجّر كرم ربنا.. بعدد - ألف.. مثلاً-.
هذا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستبق مقدمه لـ(تبشير) أصحابه به، أي وهم بين يدي إقباله (قبيل أن يزف)، لأنه عليه الصلاة والسلام أعلم الناس بما فيه لهم من خيري الدارين، ولا جرم بهذه، بل.. بمناسبة أقبال الشيء المفرح على الأخص، نجد أحمد شوقي رحمه الله حرّك لذاك المشاعر في تشبيهه للحجاج وهم يحطّون رحالهم بمشعر (مِنى):
وركب كإقبال الزمان محجّل
كريم الحواشي كابر الخطوات
فـ.. الإقبال هو ما يحمل لصاحبه من البشائر ليست المادية المحسوسة واللاتي سرعان ما نعتادها بعد هُنيات من انهماكنا بها، وبعدها لا نجد لها كلذّة ما سبق! وقد حضرتني هنا وصية سبق للفوزان -المفتي- (اجعلوا رمضان شهر عبادة، لا عادة..)، وما ذاك إلا أنه مُلئ مما يبثه على النفوس من زخم مشاعر لا يشبع منها أدنى من سبر عمقها المعنوي، كما وفي اجوائه من أنسٍ يختلج صغيرنا قبل الكبير.
هذا، ورحم الله حكيم الشعراء وطيّبه أبي الطيب يوم التقى بأحد الكرماء.. فبرقت عيناه بحظوة منه، لينشئ عندها:
أعيدا نرى!، أم زمانا جديداً؟
فهو إذا يأتي.. ليملأ قلوبنا قبل طرقاتنا بقناديل الفرح وينثر تباشير بين جانبي أفئدة كلها زهواً .. لا رخو في أثيث ما تبث من تعابيرنا التي بمقدمة تتمخطر، فلا عجب فتلكم قلوبٍ أَهلها صوّام نهاره قوّام ليله، ومن ذا الذي يرتضي عن ذلك من زخرف الدنيا له بدلا؟!
ثم حسب مكانته إعلاء همِمنا، والتسابق على الخيرات، بخاصة لدى ثلة أكّدت الآية أنهم {لَهَا سَابِقُونَ}، إشارة جليّة إلى أنه ليس الكل، فتلكم نوعية محددة، ألا فاظفر من ذاتك ولو في هذا الشهر أن تكون منهم، فهم سراعا في رُباه، لتبقى (وهي تودَّع) لذعاتها وقعا لا يمحى داخلها.
فـ.. نعيشه بكل لحظة.. راتعين بدقائقه حتى، فمن منّا ينسى كم تابعت أعيننا عقارب الساعة إذا دنى الإفطار، فرحم الله (المدفع)، لأنهما الموعد مع المأكل والمشرب، وفيهما حلول فرحتين، مادية لا تخفى (الإفطار)، ومعنوية.. وهي أكبر (يوم لقاء المولى تعالى)- كما في طي الحديث-، وللفرحة الأولى تحضرني تغريدة للغالي ابن الغالية أختي كاتبنا، شيق القلم صالح السعيد.. حين غردّ قبيل الإفطار ببضع دقائق (نحن لا ننتظر الأذان، بل.. القبول).
وتذكرت بذاك المعنوي آية {وَتَزَوَّدُواْ}، فـ الآية ذاتها فاضلت بين سُبل التزوّد مُبرمةً أن «خير الزاد التقوى»، فازدادوا يا عباد الله، واستحضروا لتنشطوا.. حالة من (قرع سن..) التندّم، فكاد يُلقى على روعه هذا/
إذا أنت لم تزرع، وألفيت حاصداً
ندمت على التفريط في زمن البذر
وهنا نُخبر عمن يضَيْع.. حتى يضيّع عمره سدى!، فلا هو ممن زرع فحالفه نجاحا، ولا مع من بذر فنابه فلاحا.
قبل الختم يحتّم التنبيه على أنه شهر عظيم، ووقته ثمين، فلا يليق بمن علم ذلك -وكلّنا ذلك- أن يقطع أوقاته بين طبخات.. (تنويعات)، فضلاً عن سهر ومسلسلات الخ، فكيف بمن أغرق في التفريط حين يُمضي ساعاته فيما لا نفع فيه، وبالذات وهو شهر تزكية للنفوس، وللقلوب، مع التقرّب لعلام الغيوب
لأن.. الشقي من حُرم بهذا الشهر مغفرة ربه، لحديث عند الترمذي رحمه الله وغيره أن النبي أمّن على قول جبريل (رغم أنف أمريء أدرك رمضان فلم يُغفر له) كأن المرام.. ماذا يريد أكثر من هذا العطاء الرباني، فبربكم.. أيّ ممن لديه ذرة عقل يُعط خيرا فلا يأخذه!..
ورحم الله البارودي:
بادر الفرصة واحذر فوتها.. فبلوغ العزّ في نيل الفُرص، بل إن «التردد مقبرة الفرص»، لأنه.. كم من سانحة تفتح بابها، وأن لم تدخل أَغلقت عن قريب.. يا لحبيب.
إشارة:
بقيت، وإن كان لها الأولى، أن تصدّرها هنا، وهي/ لا.. يقال (رمضان كريم)، برغم للأسف شهرتها، فما كل مشتهر له حظّ من الصواب!
نعم قل رمضان مبارك أو عظيم، أو شريف فتلك (أتت بها نصوص) نبوية، أما (كريم) فكما قال المفتي الفوزان (.. لا أصل للفظة)..
أكرر توعية، ونوعية افاقه.. ترى فقط هو شهر نعم، لكن فيه تزكية القلوب والعودة إلى علاّم الغيوب..