محمد الخيبري
في أدبيات كرة القدم، يُقال إن الجمهور هو اللاعب رقم 12، ولكن في الهلال، يتجاوز هذا المدرج كونه مجرد داعم أو محفز؛ إنه بوصلة الأمان وصمام الاستقرار..
ما شهده الوسط الرياضي مؤخراً من حراك جماهيري أزرق، عقب تعثر الفريق أمام الاتحاد ثم التعاون وفقدان صدارة دوري روشن، لم يكن مجرد ردة فعل عاطفية عابرة، بل كان تجسيداً حياً لمقولة: «النقد عندما يكون بناءً، والانتقاد عندما يصبح فناً»..
لم تكن خسارة النقاط أمام منافسين مباشرين مجرد كبوة، بل كانت «جرس إنذار» في وقت حرج من الموسم.. هنا، انقسمت الجماهير في تجارب أندية أخرى إلى تيارات الهدم، لكن «المدرج الفخم» اختار الطريق الأصعب والأكثر نضجاً..
لقد مارس المشجع الهلالي المتزن دور الناقد الحصيف، فلم ينجرف خلف عبارات التخوين أو المطالبات العبثية، بل وضع إصبعه على موضع الجرح: الخلل الفني في منظومة الدفاع، وتراجع الروح القتالية..
هذا النقد المؤدب بحدته والراقي بمطالباته خلق حالة من الضغط الإيجابي التي لا تحتمل المجاملة..
التظاهرة الافتراضية في مواقع التواصل الاجتماعي والتي استغلها الجمهور الهلالي خير استغلال لمصلحة فريقه العالمي كانت بمثابة الوجبة الإعلامية كاملة الدسم في أغلب البرامج الرياضية.. إن ما حدث في المدرج الهلالي مؤخراً، سواء بلغة الدعم المؤازر أو لغة النقد اللاذع والموضوعي، يمكن وصفه بـ«اللقاح الفني والذهني».. فالهلال ككيان يحتاج أحياناً إلى هذه «الهزة» الجماهيرية ليستعيد مناعته ضد التراخي أو القناعات الفنية الخاطئة..
عودة المدرج لممارسة دوره الرقابي بوعي، كانت بمثابة المصل الذي استحث استجابة «الجهاز الفني والإداري»، ليدخل الفريق المرحلة الحاسمة من الدوري وهو محصن ضد المفاجآت، مدركاً أن خلفه جمهوراً يفرق جيداً بين الصبر وبين القبول بالانكسار..
هذا اللقاح الجماهيري قد يكون هو السبب الرئيس الذي سيحسم لقب الدوري في الأمتار الأخيرة. سيميوني إنزاغي مطالب بقراءة المشهد بعين القائد الذي يرصد خلفه سلاح الجمهور العاشق والإعلام المرتقب.
ففي خضم تلك العاصفة، ظهرت مرونة المدير الفني السيد سيميوني إنزاغي، الذي أثبت أنه مدرب لا يغلق أذنيه عن نبض الشارع الرياضي الواعي..
استجاب إنزاغي للمطالبات المنطقية بمرونة تكتيكية لافتة؛ فقام بتعديلات جوهرية في خارطة الفريق، مفعلاً دماءً جديدة وشابة أثبتت تعطشها للشعار. الزج بالنجوم الجدد لم يكن مجرد ترقيع، بل كان إعادة صياغة لهوية الفريق الفنية، ليظهر هلالاً أكثر حيوية، وأسرع في التحولات، وأكثر انضباطاً في الخطوط كافة..
ملحمة «الديربي».. الرد العملي في الميدان، حيث جاءت مباراة الشباب لتكون الاختبار الحقيقي لهذه الصحوة.. ومن أمام ليث عنيد يمتلك نجوماً مميزين، قدم الهلال سيمفونية كروية أعادت الاعتبار لهويته..
الفوز العريض بنتيجة ومستوى مقنع لم يكن مجرد ثلاث نقاط، بل كان «إعلان عودة» للسباق المحموم..
لقد نجح إنزاغي في إعادة التوازن بين الواقعية الإيطالية والسطوة الهلالية، ليخرج المدرج منتشياً ليس فقط بالنتيجة، بل بالمنظومة التي استعادت بريقها في الوقت المناسب تماماً..
ثلاثية المجد.. الطموح الذي لا ينحني أصبحت مطمعاً ومطلباً جماهيرياً وأولوية حتمية أكثر من أي وقت مضى.
اليوم، ومع عودة الثقة، يدرك الهلالي المتزن أن الموسم لا يزال في أوج عطائه، وأن الفرصة قائمة وبقوة لتحقيق «الثلاثية الحلم»: دوري روشن للمحترفين: حيث الصراع على النفس الطويل واستعادة الصدارة.. أغلى الكؤوس (كأس الملك): الإرث المحلي الذي لا يقبل الهلاليون التفريط فيه.. كأس النخبة الآسيوي: التحدي القاري الجديد الذي ينتظر بصمة «زعيم القارة» المعتادة.
أثبتت الأزمة الأخيرة أن قوة الهلال ليست في خزائنه أو نجومه فحسب، بل في «عقلية مدرجه».
عندما يتحول النقد إلى فن، وتتحول المطالبات إلى نماذج حضارية، يصبح الذهب حليفاً حتمياً.
لقد ربح الهلال نقاط الشباب، لكنه ربح قبل ذلك «معركة الوعي»، ليمضي نحو منصات التتويج بـ «لقاح» جماهيري منحه القوة للتحليق من جديد.