د. خالد بن محمد الصغير
تشهد المملكة العربية السعودية تحوّلاً اقتصادياً هيكلياً عميقاً في إطار رؤية 2030، يستهدف الانتقال المنهجي من نموذج ريعي أحادي الارتكاز على العوائد النفطية إلى اقتصاد معرفي متنوِّع تتبوأ فيه المعرفة، ورأس المال البشري، والابتكار والتقنية، وريادة الأعمال مواقع المرتكزات البنيوية للنمو المستدام. ولا ينحصر هذا التحوّل على إعادة تشكيل البنية الإنتاجية، أو إعادة تنظيم آليات السوق، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة صياغة المشهدين اللغوي، والثقافي في المجتمع، بما يثير أسئلة جوهرية حول موقع اللغة، ووظيفتها في مرحلة التحول.
وفي هذا السياق، تبرز إشكالية مركزية تتمثل في التساؤل عمّا إذا كان صعود الاقتصاد المعرفي سيؤدي إلى تكريس هيمنة اللغة الإنجليزية بوصفها لغة المعرفة العالمية، والتقنية، والتواصل العابر للحدود، أم سيفضي إلى إعادة إنتاج توازن لغوي مركّب يعيد تعريف العلاقة بين اللغتين العربية والإنجليزية ضمن إطار ثنائية لغوية ديناميكية. ويستند هذا النقاش نظرياً إلى تقاطعات الاقتصاد السياسي للغة، ومفهوم «رأس المال اللغوي» كما صاغه بيير بورديو (Pierre Bourdieu)، وأدبيات التخطيط اللغوي في سياقات التحول التنموي. فاللغة، وفق هذا المنظور، لا تُفهم بوصفها أداة تواصل فحسب، بل باعتبارها مورداً إستراتيجياً يُعاد توزيعه ضمن شبكات القوة والسوق والمعرفة.
وانطلاقاً من ذلك، تهدف هذه المقالة إلى مقاربة هذه الإشكالية عبر تحليل أربعة محاور مترابطة: أولاً، تنامي القيمة الوظيفية والاستثمارية للغة الإنجليزية في سياق الاقتصاد المعرفي؛ ثانياً، تصاعد النزعة الوطنية الثقافية المعزِّزة لمكانة اللغة العربية بوصفها حاملاً للهوية والسيادة الرمزية؛ ثالثاً، استشراف السيناريوهات المستقبلية المحتملة لمسار الثنائية اللغوية في المملكة؛ ورابعاً، استخلاص الدلالات التربوية والإستراتيجية المترتبة على هذا التحول، ولا سيما في ما يتصل بسياسات اللغة، والتخطيط اللغوي، والتعليم العالي.
ولفهم طبيعة هذا التحول البنيوي، يتعيَّن البدء بتحليل التحولات التي طرأت على القيمة الوظيفية للغة الإنجليزية داخل الفضاء الاقتصادي الجديد، إذ يشهد هذا الفضاء تصاعداً ملحوظاً في المكانة الوظيفية للغة الإنجليزية، بوصفها أداةً إستراتيجية للاندماج في الاقتصاد المعرفي العالمي. وتشير تقارير البنك الدولي إلى وجود علاقة ارتباطية وثيقة بين تنافسية الاقتصادات المعرفية ومؤشرات التعليم العالي، والبحث العلمي، والانفتاح على الأسواق العالمية. وفي الحالة السعودية يتجلَّى هذا الارتباط عبر جملة من المؤشرات البنيوية المتداخلة.
فمن جهة أولى، يشهد الإنفاق على البحث والتطوير (RالجزيرةD) نمواً تدريجياً مدفوعاً بتوسّع دور الجامعات البحثية، وفي مقدمتها جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، التي تعتمد الإنجليزية لغةً أساسية للتعليم، والبحث والنشر العلمي، بما يجعلها وسيطاً مؤسسياً للاندماج في شبكات المعرفة العالمية. ومن جهة أخرى، يعكس نمو قطاع التقنية والتحول الرقمي اعتماداً متزايداً على الإنجليزية في التوثيق الفني، وتطوير البرمجيات، وبناء الشراكات الدولية، لا سيما لدى الشركات المدرجة في السوق المالية السعودية (تداول)، الأمر الذي يعزّز تموضعها كلغة للأعمال والتمويل إلى جانب كونها لغة العلم.
ويُضاف إلى ذلك البعد الكوني للمعرفة العلمية، إذ تهيمن الإنجليزية على النسبة الأكبر من النشر العلمي العالمي، مما يجعل إتقانها شرطاً شبه حتمي للانخراط الفاعل في الاقتصاد الرقمي والمعرفي. وعليه، فإن تعمّق اندماج المملكة في هذا الاقتصاد يفضي، من منظور الاقتصاد السياسي للغة، إلى ارتفاع مطرد في القيمة السوقية والرمزية والوظيفية لإجادة اللغة الإنجليزية، بوصفها رأس المال اللغوي القابل للتحويل إلى فرص مهنية ومعرفية عابرة للحدود.
غير أن هذا الصعود الوظيفي لا يخلو من آثار بنيوية محتملة، إذ قد يسهم في إعادة توزيع الفرص التعليمية والمهنية على أساس الكفاءة اللغوية، بما قد يفضي إلى تفاوتات طبقية-لغوية بين من يمتلكون رأس مال لغوياً إنجليزياً مرتفعاً ومن يفتقرون إليه، ولا سيما بين خريجي مؤسسات تعليمية متفاوتة الجودة.
بالتوازي مع الانفتاح الاقتصادي المتسارع، تشهد المملكة ديناميةً مجتمعية وثقافية معاكسة في اتجاهها ووظيفتها، لكنها موازية له في القوة والتأثير، تتمثل في إعادة ترسيخ مكانة اللغة العربية بوصفها ركيزة للهوية الوطنية وتجليًا من تجليات السيادة الرمزية. فالتحول الاقتصادي لا يمكن فصله عن مشروع ثقافي يسعى إلى إعادة تعريف الذات الوطنية في سياق عالمي متغير.
وتتجلى هذه الدينامية في مسارات متعددة، في مقدمتها تبنّي سياسات لغوية مؤسسية واعية تستهدف صون العربية وتعزيز حضورها في المجالات الحيوية، عبر دعم المحتوى الرقمي العربي، والارتقاء بجودة الترجمة والتعريب في الأجهزة الحكومية والقطاعات الإستراتيجية، فضلاً عن تطوير أطر تنظيمية تعزِّز استخدام العربية في الفضاء العام. وفي هذا السياق، يضطلع مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية بدور محوري في التخطيط اللغوي والتقعيد المصطلحي، ودعم المبادرات البحثية والتقنية ذات الصلة.
كما يتعزّز هذا التوجه عبر ازدهار الصناعات الثقافية ضمن مستهدفات رؤية 2030، ولا سيما في قطاعات السينما والسياحة والإعلام والفنون، حيث تُعاد موضعة اللغة العربية في قلب الإنتاج الثقافي والتعبير الإبداعي، بما يكرّس قيمتها الجمالية والرمزية ويمنحها حضوراً متجدداً في المجال العام. ولا ينبغي فهم هذا المسار بوصفه مجرد استجابة ثقافية دفاعية، بل باعتباره تجسيدًا لإستراتيجية سيادة معرفية تهدف ترمي لمنع الحيلولة دون احتكار إنتاج المعنى والمعرفة داخل فضاء لغوي خارجي، وضمان بقاء العربية وسيطاً فاعلاً في تشكيل الوعي الجمعي وصياغة الهوية الوطنية.
وعليه، يتشكل المشهد اللغوي السعودي الراهن بفعل حركتين متوازيتين ومتكاملتين في آنٍ واحد: الأولى تُضفي على الإنجليزية بعداً وظيفياً وأداتياً بوصفها لغة الاندماج في الاقتصاد العالمي، وشبكات المعرفة العابرة للحدود، والثانية تعيد للعربية مركزيتها بوصفها لغة الهوية والانتماء والسيادة الثقافية. ومن هنا ينبثق السؤال الجوهري: هل نحن إزاء ثنائية صراعية ذات طابع صفري، أم إزاء طور جديد من التكامل الوظيفي يعيد توزيع الأدوار بين اللغتين ضمن منظومة لغوية مرنة ومتعددة المستويات؟
وانطلاقاً من المعطيات السابقة، يمكن استشراف ثلاث احتمالات، أو مسارات مستقبلية رئيسة لمآلات الثنائية اللغوية في ظل التحول نحو الاقتصاد المعرفي في المملكة، تتفاوت في درجة التوازن بين البعدين الوظيفي والرمزي للغتين:
أولاً: مسار الهيمنة، أو التفوق ( Dominance Scenario) يفترض هذا الاحتمال استمرار الاعتماد المكثف على اللغة الإنجليزية في التعليم العالي، والتخصصات التقنية، والنشر العلمي، من دون استثمار موازٍ وممنهج في تعريب العلوم وإنتاج المعرفة بالعربية. وفي هذه الحالة، قد تتسع الفجوة بين لغة النخبة العلمية والاقتصادية، ولغة المجتمع والثقافة المحلية، بما يفضي إلى نشوء ما يمكن تسميته بـ«ازدواجية معرفية»؛ حيث تُنتج المعرفة وتُتداول في فضاء لغوي منفصل عن القاعدة الاجتماعية الأوسع. ويُحتمل أن ينعكس ذلك سلباً على مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية، وعلى اندماج المعرفة في البنية الثقافية الوطنية، مؤدياً إلى تشكل نخب معرفية شبه معزولة عن محيطها المجتمعي.
ثانياً: مسار التكامل الوظيفي (Functional Integration Scenario) - وهو الأقرب للترجيح.
يقوم هذا المسار على توزيع وظيفي متوازن للأدوار بين اللغتين، بحيث تستقر الإنجليزية كلغة للاقتصاد العالمي، والبحث العلمي المتقدم، والتخصصات التقنية الدقيقة، في حين تترسخ العربية كلغة الإدارة المحلية، والقضاء والتشريع، والثقافة، والإعلام، والتعليم العام. ويجد هذا النموذج نظيراً له في تجارب دول مثل سنغافورة والهند، حيث تتعايش لغة عالمية ذات وظيفة اقتصادية ومعرفية مع لغات وطنية تؤدي دور الحاضن الثقافي والاجتماعي. ويمثل هذا السيناريو صيغة توازن ديناميكي لا يُقصي أياً من اللغتين، بل يعيد تعريف العلاقة بينهما على أساس التكامل لا التنافس الصفري.
ثالثاً: مسار التعريب المعرفي التدريجي (Gradual Cognitive Arabization Scenario) يفترض هذا المسار تصاعد الاستثمار في الترجمة المتخصصة، ودعم النشر العلمي بالعربية، وتحفيز الشركات التقنية على تطوير واجهات ومنتجات رقمية عربية متكاملة، بما يسمح للعربية بالتحول تدريجياً إلى لغة منتِجة للمعرفة، لا مجرد وسيط ثقافي. غير أن تحقق هذا السيناريو يظل رهيناً بشروط بنيوية، في مقدمتها رفع الإنفاق على البحث والتطوير إلى مستويات تقارب 2-3 % من الناتج المحلي الإجمالي (مقارنة بمتوسط عالمي يقارب 2 .3 %)، واستحداث مجلات علمية عربية محكمة ومفهرسة دولياً، وإنشاء حواضن تقنية تركز على تطوير المحتوى العربي المعرفي والرقمي.
وبين هذه المسارات الثلاث، يتحدد مستقبل الثنائية اللغوية في المملكة بمدى قدرة السياسات التعليمية والبحثية واللغوية على إدارة العلاقة بين العربية والإنجليزية باعتبارها علاقة تخطيط إستراتيجي طويل المدى، لا مجرد انعكاس عفوي لتحولات السوق. غير أن تحقق أي من هذه السيناريوهات لا يعتمد على ديناميات السوق وحدها، بل على طبيعة التدخل المؤسسي في مجالات التعليم، والبحث العلمي، وسياسات الابتكار، والتخطيط اللغوي طويل المدى.
يقود تحليل السيناريوهات السابقة إلى مساءلةٍ إستراتيجيةٍ تتجاوز التخطيط اللغوي الضيق إلى صميم الفلسفة التربوية للدولة: هل تُصمَّم المنظومة التعليمية لإعداد الطالب بوصفه مستهلكاً كفؤاً للمعرفة المنتَجة بالإنجليزية، أم بوصفه فاعلاً معرفياً قادراً على إنتاج المعرفة والابتكار ضمن أفق ثنائي اللغة؟ إن هذا السؤال لا يتعلق باللغة في ذاتها بقدر ما يتصل بوظيفة التعليم في اقتصاد قائم على المعرفة.
فالاقتصاد المعرفي، في جوهره، لا يقوم على مجرد إتقان لغة أجنبية، بل على تنمية قدرات معرفية عليا تشمل التفكير النقدي، وحل المشكلات المركبة، والبحث العلمي الرصين، والابتكار العابر للتخصصات. وفي هذا الإطار، تغدو اللغة وسيطاً إبستمولوجياً لاكتساب هذه القدرات وتوليد القيمة الاقتصادية والمعرفية، لا غايةً مستقلة بذاتها. وعليه، فإن حصر النقاش في أولوية لغة على أخرى يُعد اختزالاً لإشكالية أعمق تتعلق ببناء رأس مال معرفي قادر على التفاعل والإنتاج في آن واحد.
لا يُتوقع أن يفضي صعود الاقتصاد المعرفي في المملكة إلى إقصاء اللغة العربية، بقدر ما سيؤدي إلى إعادة تعريف وظائفها المجتمعية والاقتصادية ضمن توزيع جديد للأدوار. فمن المرجح أن تظل الإنجليزية لغة الانخراط في السوق العالمية وشبكات المعرفة المعولمة، في حين ستغدو العربية محدِّداً أساسياً لمدى استقلالية المشروع المعرفي الوطني، وعمقه الثقافي، وقدرته على إنتاج خطاب علمي وفكري متجذر في سياقه الحضاري.
ومن ثم، فإن التحدي الاستراتيجي لا يتمثل في المفاضلة بين لغتين، بل في بلورة نموذج ثنائي اللغة متوازن يحقق معادلة مزدوجة: الامتثال للمعايير العالمية وتعزيز الكفاءة التنافسية من جهة، وصون السيادة المعرفية وتعميق الجذور الثقافية من جهة أخرى. ويتطلب هذا النموذج رؤية تربوية تكاملية تعيد هندسة المناهج، وأساليب التقويم، وسياسات البحث العلمي، بما يُمكّن المتعلم من توظيف الإنجليزية أداةً للإبداع والابتكار لا مجرد قناة لاستهلاك المعرفة، وفي الوقت ذاته تمكينه من الإبداع بالعربية والمساهمة في تطويرها لغةً للعلم والإنتاج الفكري.
كما يستلزم ذلك إنشاء صناديق تمويل مخصّصة لدعم المجلات العلمية العربية المفهرسة دولياً، وتعزيز حضورها في قواعد البيانات العالمية، فضلاً عن تطوير حواضن تقنية تُعنى بإنتاج محتوى رقمي عربي متقدم في مجالات العلوم والتقنية والاقتصاد المعرفي. وعندئذ فقط يمكن للثنائية اللغوية أن تتحول من معادلة توتر محتمل إلى رافعة إستراتيجية تسهم في بناء اقتصاد وطني قوي، مستقل في رؤيته، منفتح في تفاعلاته، ومعزِّزٍ لتنافسيته العالمية دون تفريط في عمقه الحضاري.