فاطمة آل مبارك
ليست صدفة أن تُستهدف الأبراج، ولا عبثًا أن تُفبرك صور الخراب، حيث يقوم البناء، ففي الوقت الذي تواصل فيه مدن الخليج صعودها العمراني والاقتصادي، وتترسخ صورتها عالميًا كنموذج للاستقرار والتنمية، برزت موجة من المحتوى المصطنع التي توظّف تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج صور ومقاطع مزيَّفة.
محاولة منظمة لاستهداف الصورة الذهنية للاستقرار، وضرب الثقة في الوعي الجمعي للمجتمع، والتأثير على المواطن والمقيم والمستثمر على حد سواء. إنها حرب أيقونات تُدار في الفضاء الرقمي، حيث تُستبدل الحقيقة ويُراهن على أن العين قد تُصدق ما تراه قبل أن يُمحّصه العقل.
تعتمد هذه الحملات على قاعدة نفسية بسيطة: التأثير البصري أسرع من التفكير التحليلي. ومع ذلك، فإن التقنيات، مهما تطورت، لا تزال تخفق في ضبط التفاصيل الدقيقة، أو اتجاهات الظلال، أو انسجام الخلفيات البشرية. والثواني التي يقضيها المتلقي في التحقق بدلًا من إعادة النشر قد تصنع الفارق بين وعي يحمي المجتمع، وضجيج يعيد إنتاج الشائعة.
الأمر لا يقف عند حدود الوعي الفردي، بل يمتد إلى المسؤولية القانونية. فالتشريعات المعمول بها تتعامل بصرامة مع نشر الأخبار الكاذبة أو المحتوى المضلِّل الذي يمس النظام العام. ولا يفرِّق القانون بين من صنع المحتوى ومن أعاد نشره، فالمسؤولية مشتركة حين يغيب التثبت، النشر في الفضاء الرقمي فعل له أثره وتبعاته.
ومن هنا جاءت العقوبات المشددة التي قد تشمل السجن والغرامات الكبيرة بوصفها سياجًا يحمي المجتمع من فوضى الشائعات وعبث التضليل، ويؤكد أن حرية التعبير تقترن دائمًا بمسؤولية التحقق.
مواجهة هذا النمط من التلاعب تتطلب ما يمكن تسميته بـ»العقد الاجتماعي الرقمي» القائم على ثلاثة أفعال واضحة الحجب وعدم التفاعل مع الحسابات المشبوهة، الإبلاغ الرسمي عن المحتوى المضلل، واستقاء المعلومات من المصادر المعتمدة. فهذه الحملات تتغذى على التفاعل، حتى وإن كان بقصد الرفض.
وفي المحصلة، فإن محاولات تشويه الصورة ليست إلا اعترافًا غير مباشر بقوة الحضور التنموي فلو لم يكن واقع البناء واضحًا ومؤثرًا، لما استُثمر هذا الجهد التقني لمحاولة النيل منه، رهان المرحلة ليس على مجاراة الضجيج، بل على وعي الإنسان ذلك الوعي الذي أثبت في كل أزمة أنه خط الدفاع الأول، والسدّ المنيع في وجه الشائعة.
ولنا في هدي ديننا ما يعزِّز هذا المعنى، إذ يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}.
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء كذبًا أن يُحدّث بكل ما سمع».
إن حماية الأوطان بالكلمة المسؤولة، والعين المتثبتة، والعقل الحصيف الذي يميز بين الواقع والوهم.