مجيب الرحمن بن عثمان
إن قرار استضافة المملكة للعالقين في مطاراتها خلال فترة التوترات الإقليمية هو قرار سيادي إنساني ذو بعد سياسي وأمني، صدر بتوجيه من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ويختص باستضافة مواطني دول مجلس التعاون الخليجي الذين تعطَّلت رحلاتهم بسبب الظروف الإقليمية، مع توفير الرعاية الكاملة لهم حتى تتهيأ الظروف المناسبة لعودتهم إلى بلدانهم.
في لحظات التوتر الإقليمي، لا تُقاس الدول فقط بقدرتها على حماية حدودها، بل بقدرتها على إدارة المشهد بعقلٍ بارد وقلبٍ ثابت. وحين صدر التوجيه الكريم باستضافة العالقين في مطارات المملكة من مواطني دول مجلس التعاون، لم يكن القرار إجراءً لوجستيًا فحسب، بل رسالة سياسية مكتملة الأركان، تعكس عمق الحكمة القيادية، وثبات الدولة في زمن الاضطراب. هذا الموقف لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد لمدرسة سياسية راسخة منذ أن أرسى دعائمها المؤسس العظيم الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود. ذلك القائد الذي وحَّد الشتات، وجمع الكيان، وبنى دولةً على أساس العقيدة، والعدل، وحسن الجوار، والعزة التي لا تنحني. الملك عبدالعزيز لم يؤسس أرضًا فقط، بل أسس نهجًا؛ نهجًا يقوم على قراءة الواقع بوعي، وصناعة القرار بثقة، وتقديم المصلحة العليا على كل اعتبار. واليوم، يمضي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان على ذلك النهج بثباتٍ يُجسد خبرة عقود من العمل السياسي والإداري. رجل دولة بامتياز، عُرف بالحكمة، والتروي، والقدرة على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة دون انفعال أو ارتباك. قراراته ليست ردود فعل، بل مواقف محسوبة بدقة، تُعلي من قيمة الإنسان، وتحفظ هيبة الدولة، وتؤكد أن المملكة في قلب المعادلة الإقليمية، لا على هامشها. وسمو ولي العهد محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، الذي نقل المملكة إلى مرحلة جديدة من التأثير العالمي برؤيةٍ طموحة صنعت التحول الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بثقة غير مسبوقة. رؤية 2030 لم تكن مجرد خطة تنموية، بل إعلان دخول المملكة عصرًا جديدًا من القوة الناعمة، والاستقلال في القرار، والجرأة في الإصلاح، والحضور الفاعل في الساحة الدولية، قائد شاب بعقل إستراتيجي، جمع بين طموح المستقبل وثوابت التاريخ. أول دلالات القرار أنه يؤكد ثبات الدولة في محيط مضطرب. فالمملكة لم تتعامل مع الحدث بوصفه أزمة عابرة، بل كمسؤولية إقليمية تعكس موقعها الجيوسياسي وثقلها الإستراتيجي. ولم تختزل إدارة الأزمات في بيانات، بل تجسدت في فعلٍ مباشر يوازن بين الأمن والإنسان. ثانيًا، القرار يعمِّق مفهوم الأمن الشامل. فالأمن ليس فقط منظوماً سياسيًا، يرسخ القرار صورة المملكة كقوة توازن إقليمية. دولة تحمي أمنها بحزم، وتدير أزماتها بحكمة، وتحتوي التوتر بروح القائد لا بردة الفعل وهذه معادلة لا تتقنها إلا الدول التي بُنيت على أساسٍ متين، وتعاقبت عليهقياداتٌ تدرك معنى الدولة قبل معنى السلطة. وفي زمن التوتر، قد تُغلق المطارات، وتتوقف الرحلات، وتتعطَّل المسارات.. لكن السعودية تبقى مفتوحة القلب والقرار من عهد المؤسس الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- الذي أسس، إلى عهد الملك سلمان -حفظه الله- الذي رسّخ، إلى عهد ولي العهد محمد بن سلمان -رعاه الله- الذي يبني المستقبل بثقة، وتبقى هذه البلاد قصة قيادةٍ تعرف متى تحزم، ومتى تحتضن، ومتى تصنع من اللحظة رسالةً سياسية وإنسانية في آنٍ واحد. حفظ الله قيادتنا، وأدام على وطننا أمنه وعزه، وجعل المملكة دائمًا وطنًا آمنًا لمن ضاقت به الرحلة.