د.محمد بن عبدالرحمن البشر
يثرب مدينة معروفة، وهي في طريق الحرير والتجارة القرشية التي تربط اليمن والهند والصين بالشام، ومنها إلى أوروبا، وأشهر قاطنيها المستقرين الأوس والخزرج، وهما قبيلتان من الأزد، رحلتا إلى المدينة قبل ثلاثمائة عام، وهناك من يقول إن القبيلتين نزحتا من اليمن بعد انهيار سد مأرب، قبل ألف عام من مبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لكن ليس هناك ما يؤكد نزوحهما في ذلك التاريخ، إضافة إلى القبيلتين كان في يثرب بعض قبائل يهودية مثل بني النضير، وبني قريظة، وبني قينقاع، وبعض القبائل والمجموعات الأخرى، يعملون في التجارة، والزراعة، ولاسيما زراعة النخيل، وصياغة الحلي، والحدادة، وتعيش بقربهم قبائل غير مستقرة مثل مزينة، وجهينة، وبلي، وغيرها، وفي بادئ أمرهم كان الوئام سائدًا بين جميع القبائل ثم اعترته بعض الوقائع البسيطة، ومع هذا فقد كان الوضع الاقتصادي مزدهرًا حيث التمور، والزراعات الأخرى، والمراعي، وصناعة الحلي الذي اشتهرت به قبيلة بني قينقاع.
قبل هجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة المنورة، وهو اسمها الجديد، كانت حروب شديدة قائمة بين قبيلتي الأوس والخزرج استمرت مائة وأربعين سنة، قُتل فيها الكثير من قيادات ورجال القبيلتين، على فترات متقطعة، بدأت بوقعة سمير، وانتهت بوقعة بعاث، وكان لكل وقعة اسم وسبب معين، وما من شك أن الإخباريين والقصصيين، وجلساء كبار القوم ينسجون قصصًا حول أسباب كل واقعة وتفصيلاتها لتسلية سامعيهم، وربما كان بعض من أطراف القصص في بعض الوقائع صحيح مع حذف وإضافة وتنقيح يصنعها الإخباريون للتمليح والتشويق، وربما يضيفون إليها أبياتًا من الشعر، ليسهل حفظها وتناقلها، وآخر أيامهم يوم بعاث، وكانت وقعة قاسية تعتبر أشد الوقائع، قتل فيها الكثير من سادات الطرفين، وانهزم فيها الخزرج، ولحقهم الأوس وحلفاؤهم وأثخنوهم بالقتل، حتى صاح أحد الأوسيين، قائلًا: (يا معشر الأوس أحسنوا ولا تهلكوا إخوانكم، فجوارهم خير من جوار الثعالب) فتوقفت الحرب، وبقيت الهدنة خمس سنوات، ويبدو أن الخزرج قد قبلوا الهدنة مرغمين بسبب انكسارهم، لكنهم كانوا ينتظرون الظروف المواتية لمقارعة خصومهم، وفي معظم المعارك بين القبيلتين، كان بنو النضير وبنو قريظة حلفاء للأوس، بينما بنو قينقاع حلفاء الخزرج. وقد يكون من المناسب القول إن معظم هذه القصص نقلها ابن هشام عن ابن إسحاق، والذي لم يكن الإمام مالك مطمئناً إلى قصصه وأخباره، ووصفه بوصف لا يحسن ذكره.
في هذه الأثناء كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مكة، بعد أن ذهب إلى الطائف لعله يجد نصيراً، فخذله أهلها، ثم عاد إلى مكة، وقد أجاره المطعم بن عدي، ولم يتوقف - عليه السلام - عن السعي لإبلاغ الرسالة، فتوجه بفكره إلى المدينة، وقد اعتاد أن يعرض الإسلام على الحجاج القادمين إلى مكة، ووفد حجاج المدينة من الأوس والخزرج، فعرض الإسلام عليهم، فقبله منهم ستة نفر من الخزرج، ثم جاء في العام الذي يليه عشرة من الخزرج واثنان من الأوس فقبلوا الدعوة، وأرسل معهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مصعب بن الزبير لتعليمهم، فانتشر الإسلام في المدينة، ثم عادوا في العام القادم للحج والتقوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبايعوه بيعة العقبة الثانية، وسميت العقبة باسم الموقع قرب منى، وكان عددهم واحداً وسبعين رجلًا وامرأتين، فأصبحت يثرب مهيأة لاستقبال رسول الله، ولا بد لنا أن نذكر أن المدينة في تلك الفترة مستقرة اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا، وإن كانت في نفوس الخزرج بعض الأثر، وكانت القبائل المحيطة بالمدينة على توافق نسبي مع أهلها، وتبادل المنافع هو السمة السائدة بين سكان يثرب، وبين من حولها من القبائل.