باسم سلامة القليطي
في فضاء الإعلام الرقمي المزدحم تبرز أحيانا تجاربٌ عفوية تكسر جمود القوالب المعتادة، وتقدم للمشاهد محتوىً يجمع بين «رصانة المعنى» و»لطافة المبنى». ولعل برنامج (توأم رمضان) الذي يُعرض عبر منصة اليوتيوب، هو أحد أجمل هذه النماذج التي استطاعت أن تحجز مكانا أثيرا في قلوب المشاهدين. فكرة البرنامج تقوم على ثنائية فريدة؛ الداعية الشيخ أيمن عبد الجليل بما يحمله من وقار وغزارة علم، وشقيقه التوأم الفنان المعروف عمرو عبد الجليل بما عُرف عنه من سرعة بديهة وخفة ظل مغلفة بذكاء. هذا التباين الظاهري والاتحاد في الأصل (التوأمة) منح البرنامج صبغة إنسانية جعلت (فديوهاته) تتصدر منصات التواصل الاجتماعي، كرسالة حب واضحة من الجمهور لكل ما هو حقيقي وغير متكلف. ومن أجمل ما توقف عنده الشيخ أيمن في إحدى الحلقات، هو ذلك الخُلُق الذي رصده طيلة تسع وعشرين سنة عاشها في رحاب المملكة العربية السعودية؛ وهو خلق «التحلل من الحقوق». لقد أبدى الشيخ إعجابه بتلك السجية العظيمة التي تجعل الصديق لا يغادر رفيقه إلا وهو يطلب المسامحة بعبارة تقطر أدبا: «سامحني أو حلّني»، بل ويبادر الطرف الآخر قائلا: «أنا سامحتك وحللتك». حتى يجعل مهمة الرفض صعبة. إنه وعيٌ فطري بخطورة حقوق العباد التي لا تسقط إلا بتنازل أصحابها، وتحويلٌ ذكي لمعاني التقوى من نصوص نرددها إلى سلوك حي يمنح العلاقات الإنسانية طابعا من الصفاء والسكينة قبل الفراق.
هذا السلوك الشعبي البسيط في ظاهره، يحمل في طياته فلسفة شرعية عميقة؛ فهو نابع من استشعار أهمية حقوق العباد التي لا تسقط بمجرد الاستغفار، بل لا بد فيها من عفو صاحب الحق. إن «التحلل» قبل الفراق هو نوع من تصفية الحسابات القلبية، لكي لا يحمل المرء معه وزرا سهوا أو عمدا.
لقد نجح البرنامج في تسليط الضوء على هذا المفهوم بأسلوب محبب، يربط السلوك اليومي بالمآل الأخروي، ويحول العبادة من نص جامد إلى خُلق حي يتنفس في المجالس والطرقات، مما يمنح العلاقات الإنسانية طابعا من الطمأنينة المتبادلة. لقد تنوعت موضوعات (توأم رمضان) لتشمل قضايا تمسّ صلب الحياة الإيمانية؛ من فهم فلسفة الصيام، إلى أسرار الصلاة، والتوبة، وبر الوالدين، وصولا إلى مفاهيم الرزق وسر الخلود. وما يميز هذا التناول هو تلك اللغة الواضحة التي لا تتعالى على الناس، بل تنزل إليهم في واقعهم.
وجود عمرو عبد الجليل بتعليقاته العفوية وأسلوبه الساخر أحيانا، كسر حاجز «الهيبة المعتادة» التي تحيط بالبرامج الدينية التقليدية، وجعل المشاهد يشعر أن «الدين يُسر»، وأن المعلومة الشرعية يمكن أن تصل بابتسامة صادقة كما تصل بوعظ رصين، وهذا سر النجاح الكبير الذي حققه البرنامج في وقت قياسي.
في افتتاحية الحلقة الأولى، يقول عمرو أنه لم يلتقِ بأخيه منذ زمن طويل، وإن هذا البرنامج كان فرصة ليتعرّف عليه من جديد. عبارة بسيطة، لكنها تختصر روح العمل كله: لقاء بعد غياب، واكتشاف بعد ظنّ المعرفة. ونحن، كمشاهدين، نشاركه هذا الشعور. نتعرّف على الشيخ أيمن بطرحه المحبب الهادئ، وعلى عمرو بوجه آخر لا يقل جمالا عن موهبته الفنية. نراه متأملا، صادق الأسئلة، قريبا من الناس، بعيدا عن الأقنعة.
ختاما، يقدم لنا (توأم رمضان) ما هو أبعد من مجرد برنامج ديني؛ إنه يعيد الاعتبار للخطاب الصادق الذي يلامس الروح دون كلفة، ويجمع بين هيبة العلم وأُنس المودة. لقد برهن هذا العمل على أن أعظم صور الدعوة هي تلك التي تنساب في تفاصيل حياتنا البسيطة، تماما كما تنساب عبارة «حلّني وسامحني» في مجالسنا، لتغسل القلوب قبل الفراق. إننا بحاجة ماسة لاستعادة هذا التوازن؛ أن نعبد الله بعقل يبحث عن الحقيقة، وقلب يتسع للجميع بابتسامة، ويقين بأن أثقل ما يوضع في الميزان خُلقٌ حسن، وكلمة طيبة نخرج بها من الدنيا وقد حللنا الناس وحللونا، لنلقى الله بقلبٍ سليم وأثرٍ باقٍ لا يمحوه الزمن.