د. إبراهيم الشمسان أبو أوس
يستعمل الحرف (لولا) للدلالة على أنه «يمْتَنع بهَا الشَّيْء لوُجُود غَيره»(1)، لربط جملتين جملة اسمية وأخرى فعلية، قال السيرافي (368هـ) «وأما (لولا) فتدخل على جملتين؛ إحداهما مبتدأ وخبر، والأخرى فعل وفاعل، فتربط إحداهما بالأخرى»(2)، ولذلك جاء بعدها اسم مرفوع ظاهر أو ضمير رفع منفصل، وبيّن الرماني (384هـ) أنه الأصل، قال «فهذا الموقع موقع مرفوعٍ قد ظهر أمره بالاسم الظاهر في: لولا زيدٌ لكان كذا وكذا، من غير أن يجوز فيه الجر، وظهر بقولهم: لولا أنت لكان كذا وكذا، وفي التنزيل: {لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} [31-سبأ]، فهذا هو الأصل»(3).
وسمع من العرب نحو (لولاك ولولاي)، وأطبق النحويون على قبول ذلك سوى المبرد(285هـ) الذي ضعّف ما ورد من شواهده، قال «قال أبو العباس: والذي أقوله أنَّ هذا خطأ لا يصلح، إلا أن تقول: لولا أنت، كما قال عز وجل: {لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} [31-سبأ]. ومن خالفنا فهو لا بد يزعم أن الذي قلناه أجود، ويدّعي الوجه الآخر فيجيزه على بعده»(4). وردّ السيرافي قوله، قال «قال أبو سعيد: وما كان لأبي العباس أن يُّسقط الاستشهاد بشعر رجل من العرب قد روى قصيدته النحويون وغيرهم، واستشهدوا بهذا البيت وغيره من القصيدة، ولا أن ينكر ما أجمع الجماعة على روايته عن العرب»(5).
وذهب النحويون في إعراب التركيب مذهبين:
المذهب الأول أن (لولا) حرف جرّ والضمير في محلّ جرّ:
هذا مذهب الخليل(175هـ) ويونس(182هـ) وسيبويه (180هـ)، قال سيبويه «وذلك لولاك ولولاي، إذا أضمرت الاسم فيه جُرّ، وإذا أظهرت رُفع. ولو جاءت علامة الإضمار على القياس لقلت لولا أنت، كما قال سبحانه: {لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} [31- سبأ]؛ ولكنهم جعلوه مضمَرًا مجرورًا. والدليل على ذلك أن الياء والكاف لا تكونان علامةَ مضمَر مرفوع. قال الشاعر، يزيد بن الحكَم:
وكَمْ موطنٍ لولايَ طِحتَ كما هَوَى
بأَجْرامه من قُلةِ النّيقِ مُنهَوي
وهذا قول الخليل رحمه الله ويونس» (6).
ويثير هذا القول إشكالين أحدهما تعدد وظيفة (لولا) فهي عاملة مرة ومهملة مرة، والآخر التعلق وهو ما ذكره الرماني في قوله «لأنه لو كان موضع الكاف جرًا؛ لوجب أن يكون الحرف عاملًا؛ إذ لا يجوز الجر إلا بعامل الجر، والحرف الذي يعمل الجر لابد أن يكون فيه معنى الإضافة، ولابد من أن يعمل في موضعه الفعل، وليس كذلك في: لولا»(7). ونجد الجواب عن الأول في قول الفارسي الذي بين أنها مثل (لدن) قال «قال: فهذان الحرفان لهما في الإضمار هذه الحالُ كما كان (للَدُنْ) حالٌ مع (غُدْوَةَ)»(8). وأوضح هذا ابن يعيش(643هـ) قال «ولـ(لَوْلَا) مع المضمر حال تُخالِف الظاهرَ. كما أنّ لـ(لَدُنْ) مع (غُدْوَةٍ) حالًا ليست مع غيرها. ألا تراها تنصبها دون أن تنصب غيرَها. والمرادُ أنه غيرُ مستنكَر أن يكون للحرف عملٌ في حالٍ، لا يكون له في حالٍ أُخرى. وحاصلُه إبرازُ نظيرٍ ليقعَ الاستئناسُ به. ومن ذلك (لَاتَ) من قوله تعالى: {وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ} [3-ص]، فإنّها تعمل في الأحيان عَمَلَ (لَيْسَ)، ومع غيرها لا يكون لها عملٌ»(9). وأما الجواب عن التعليق ففي قول ابن يعيش «فالجوابُ أن حروف الجرّ قد تقع زوائدَ في موضعِ ابتداء، وذلك نحوُ قولهم: (بحَسْبِكَ زيدٌ)، والمرادُ: حسبُك زيدٌ، وقولِهم: (هل من أحدٍ عندك؟) والمرادُ: هل أحدٌ عندك؛ فموضعُ الحرفَيْن رفعٌ بالابتداء وإن كانا عمِلا الخفضَ، فكذلك (لَوْلَا) إذا عملت الجرَّ، صارت بمنزلة الباء في (بحسبك زيد). و(مِنْ) في (هل من أحد عندك) غيرَ متعلّقة بشيء، وموضعُها رفعٌ بالابتداء، والخبرُ مقدر محذوف كما كان مع الرفع»(10).
المذهب الثاني: ضمير الجر ناب عن ضمير الرفع:
وهذا مذهب الأخفش (215هـ)(11) وابن السراج (317هـ)(12) والفراء (207هـ) واختاره الرماني(13). وبيان المذهب في قول الفراء «وقد استعملت العرب (لولا) في الخبر وكثر بها الكلام حَتَّى استجازوا أن يقولوا: لولاك ولولاي، والمعنى فيهما كالمعنى فِي قولك: لولا أنا ولولا أنت فقد توضع الكاف عَلَى أنها خفض والرفع فيها الصواب. وَذَلِكَ أنّا لَمْ نَجد فيها حرفًا ظاهرًا خُفِض، فلو كَانَ مِمّا يخفض لأوشكت أن ترى ذَلِكَ فِي الشعر فإنه الَّذِي يأتي بالمستجاز: وإنّما دعاهم إلى أن يقولوا: لولاك فِي موضع الرفع لأنهم يجدونَ المكنّى يستوي لفظه فِي الخفض والنصب، فيقال: ضربتك ومررت بك ويَجدونه يستوي أيضًا فِي الرفع والنصب والخفض، فيقال ضربنا ومرَّ بنا، فيكون الخفض والنصب بالنون ثُمَّ يُقال قمنا ففعلنا فيكون الرفع بالنون. فلمّا كَانَ ذَلِكَ استجازوا أن يكون الكاف فِي موضع (أنت) رفعًا إذْ كَانَ إعراب المكنّى بالدلالات لا بالحركات. قَالَ الشاعر:
أيطمعُ فينا مَنْ أراقَ دماءَنا
وَلَوْلاكَ لَمْ يعرض لأحسابنا حَسَمْ» (14)
وسوغ الرماني جواز (لولاك ولولاي) بـ(المناسبة بين علامات المضمر من ثلاثة أوجهٍ، أحدها: الاشتراك في الإضمار. والثاني: البيان عن المخاطب من المتكلم من الغائب. والثالث: أنها كلها مبنيةٌ، وإن كان فيها دليلٌ على وجوه الإعراب، فإنها تنحط عن منزلة ما فيه الإعراب. فأشعر بهذه المناسبة بينها بإيقاع بعضها موقع بعضٍ من غير إخلالٍ بالمعنى»(15). وبأن ذلك على سبيل الاستعارة، قال «وإنما أوقعت علامة المجرور موقع علامة المرفوع لما بيّنا على طريقة الاستعارة، كما يقع المصدر موقع الحال في قولهم: إنما أنت سيرًا سيرًا، وكما يقع المصدر المعرف في: (أرسلها العراك ...) موقع الحال، وكل ذلك على طريق الاستعارة، ويستحيل أن يكون على الحقيقة، وكذلك يقع ضمير المجرور موقع ضمير المرفوع على الاستعارة، ويمتنع أن يقع على الحقيقة، ولا يجوز أن يوضع على الاشتراك بين المجرور والمرفوع؛ لأنه لا مناسبة بين المرفوع والمجرور يصلح لأجلها هذا كما أن بين المجرور والمنصوب مناسبةً يصلح لأجلها اتفاق العلامة، فأما أن ينقل ضمير المجرور إلى موضع ضمير المرفوع فغير ممتنعٍ، وشواهده كثيرةٌ»(16).
وقول الخليل ومن تابعه منطلق من الوصف الظاهر ويعزّزه إمكان تعدد وظيفة المبنى الواحد، وأما قول الأخفش ومن تابعه فهو أدنى إلى تعميم قاعدة (لولا)؛ فيكون ما بعدها مرفوعًا أو في محل رفع حقيقة أو في محل رفع مجازًا. ونجد قول ابن يعيش يحاول التوفيق بين القولين، فالضمير مجرور لفظًا مرفوع معنًى؛ لأنه عدّ لولا حرف جرّ زائدًا، ولكنه لا يفسر بروز ضمير الرفع بعده وظهور الاسم مرفوعًا. ويبقى قول الرماني أرجح. وأما من حيث الدلالة فلم يفرق النحويون بين دخولها على ضمير رفع ودخولها على ضمير جرّ، وصرح الفراء بذلك في النص الذي اقتبسناه «والمعنى فيهما كالمعنى فِي قولك: لولا أنا ولولا أنت».
**__**__**__**__**__**
(1) حروف المعاني والصفات للزجاجي، ص: 3.
(2) شرح كتاب سيبويه للسيرافي، 2/ 460.
(3) شرح كتاب سيبويه للرماني، تحقيق: شريف عبدالكريم النجار، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، ط1، 1442ه-2021م، 3/ 1553.
(4 ) الكامل في اللغة والأدب للمبرد، 3/ 247.
(5) شرح كتاب سيبويه للسيرافي، 3/ 137.
(6) الكتاب لسيبويه، 2/ 373- 374.
(7) شرح كتاب سيبويه للرماني، 3/ 1554.
(8) التعليقة على كتاب سيبويه للفارسي، 2/ 90.
(9) شرح المفصل لابن يعيش، 2/ 345.
(10) شرح المفصل لابن يعيش، 2/ 346.
(11) الكامل في اللغة والأدب للمبرد، 3/ 247.
(12) الأصول في النحو لابن السراج، 2/ 124.
(13) شرح كتاب سيبويه للرماني، 3/ 1554.
(14) معاني القرآن للفراء، 2/ 85 .
(15) شرح كتاب سيبويه للرماني، 3/ 1553-1554.
(16) شرح كتاب سيبويه للرماني، 3/ 1554.