محمد العبدالوهاب
نستبطن في مخيلتنا الكثير من الذكريات الجميلة التي لانستطيع البوح بها ما لم تستفزنا بعض المواقف المشابهة لها ونعيد الحنين لماضيها العذب من حب وغرام يتشكل في الوجدان ويغوص في الروح لأنه تخليد بذكرى الأثر.
صفحات من كتاب (فم الزمان) قرأتها بتآن وتمعن جاءت بالنسبة لي كالحديقة التي تشدني بجمالها لتنزه في أرجائها تارة بين ورودها الفواحة وبالغالب أغصانها التي تنود برشاقتها فوجدتني أمام بوحٍ يخرج من القلب ليستقر في القلب لخواطر صيغت برهافة حِس وصدقٍ يلامس الروح دون كلفة أو تعقيد.
لقد استطاع الكاتب فايز الزاحم أن يحول اللحظات العابرة والمشاعر الدفينة إلى كلماتٍ نابضة، وكأن «فم الزمان» هنا ليس إلا صوتاً يحكي عنا جميعاً وعن حنيننا وتطلعاتنا وذكرياتنا وانكساراتنا.
كتابٌ يقرؤك قبل أن تقرأه، ويمنحك الطمأنينة بأن خلف كل شعور حكاية تستحق أن تُروى ببساطة وصدق .
في هذا الأثر الأدبي البديع (فم الزمان) نجد أنفسنا أمام بوحٍ وعن خلاصة تجربةٍ عريضة وعصارة سنينٍ طوال نضجت على نار الأيام وهدأت في سكينة الوجدان.
لم يكتب الكاتب خواطره بمداد القلم فحسب، وانما أشبه بسكب زمان ظل يكتوي في قلبه ليظهر منه أسراره التي جاءت كعِبر.
تنساب الكلمات في هذا الكتاب بـبساطة آسرة، لكنها بساطة السهل الممتنع التي لا يتقنها إلا من صهرته التجارب وعلمته الحياة أن أجمل الكلام ما قلَّ ودلَّ، وما خرج من القلب دون حجاب.
إنها رحلة عبر محطات العمر؛ تارةً تأخذنا إلى مرافئ الحنين، وتارةً تفتح لنا نوافذ الأمل، وفي كل سطرٍ منها نلمحُ حكمةً تقطر عذوبة، وصدقاً يلامس الروح في أعماقها.
لقد جعل المؤلف من (فم الزمان) مرآةً تعكس تقلبات النفس البشرية في أصفى حالاتها، فجاءت خواطره كهمسات الفجر هادئة وواضحة، ومفعمة بالحياة.
إنه عملٌ يُحتفى به، ليس فقط لجمال لغته، ولكن بوصفه جسراً وجدانياً يربط بين تجربة الكاتب وقلب القارئ. ويبرهن على أن الحرف الصادق هو الذي يبقى صامداً في وجه النسيان..
حين يكتب المرءُ من ضفاف التجربة، وتنساب خواطره بعد طول تأملٍ في تصاريف الحياة، يخرج الحرفُ مختلفاً و بوزنِ السنين، لا بوزنِ المداد.
وهذا ما وجدته متجلياً في كتابه الذي لم يكن مجرد صفحاتٍ من الخواطر، بل هو سجلٌ وجدانيٌ حافل بمواقف العمر، صِيغَ بقلبٍ يمتلئ بالبساطة، وعقلٍ صقلته التجارب العريضة.
لقد طوّف بنا الكاتب في فضاءاتٍ إنسانية رحبة، مستنطقاً «فم الزمان» عن حكايا الفقد واللقاء وعن فلسفة الصبر وجماليات الأمل.
إن القارئ لهذا العمل يشعر بأنه يجالس حكيماً يسرد له خلاصة أيامه بلغةٍ قريبةٍ إلى النفس، تخلو من التكلف وتفيض بالعفوية التي تجعل القارئ يقول مع كل خاطرة: «هذا ما كنتُ أشعر به ولم أجد له قولاً».
إن ما يميز هذا الكتاب هو تلك القدرة العجيبة على تحويل التجربة الشخصية العميقة إلى شعورٍ إنساني عام.
لقد جعل المؤلف من خواطره مرايا يرى فيها كل واحدٍ منا ملامحه، وسكب فيها من هدوء البصيرة ما يمنح القارئ زاداً من الطمأنينة. هي خواطر لا تمرّ عابرة بل تستقر في الذاكرة لتُعيد تشكيل نظرتنا للحياة والوقت.
إن كتاب (فم الزمان) شلالٌ من المشاعر المنسكبة في قالبٍ من الخواطر الراقية، التي تلامس شغاف القلب وتستفزّ كوامن الفكر. لقد نجح الكاتب في التقاط اللحظات الهاربة وتحويلها إلى لوحاتٍ أدبية تنبض بالحياة، فجاءت خواطره مقتضبةً في مبناها، شاسعةً في معناها.
إن هذا العمل ليس مجرد كلماتٍ مرصوفة، بل هو اعترافاتٌ وجدانية باحت بها الروح حين استنطقها الزمان، فجاء «فمه» ليروي لنا بصدقٍ وعفوية ما يعجز اللسان عن وصفه. كتابٌ يجد فيه كل قارئٍ قطعةً من روحه، وظلّاً من مشاعره، صِيغَت بأسلوبٍ يجمع بين سلاسة التعبير وعمق التفكير.
هنيئاً للقارئ هذا الإصدار الذي يجمع بين نضج الفكر وعذوبة الوجدان، ومبارك للمؤلف هذا الأثر الأدبي الذي أثبت فيه أن الكلمة الصادقة هي وحدها التي تملك مفاتيح القلوب، وتستحق أن يخلدها بكل جدارة «فم الزمان» .