أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
إنَّ المجتمعات الغربيَّة، عند تحكيم العقل، هي أُمُّ الذكوريَّة وأبوها، في ذروة نزَقها، وسفهها، وتطوُّرها إلى قوالبها الحديثة. وكُلُّ ما زُيِّفت به صورة المرأة في المخيال الحديث إنَّما هو من ابتكارات الرَّجُل الغربيِّ وإبداعات نزوعاته الذكوريَّة الشيطانيَّة الجامحة، التي تُجلِّيها إنتاجاتُه الثقافيَّة والأدبيَّة والفنِّـيَّة، والتي أمعن في ترويجها بكُلِّ وسيلة، حتى بلغ ذلك إلى فلسفتها والتنظير لشرعنتها؛ فبات للعُرْي فلسفة، وللجسد فلسفة، وللإباحيَّة فلسفة، ولها مدارس وأكاديميَّات ذات شأن. هكذا زعم (ذو القُروح)، وهو ما يفتأ يحكُّ رأسه! فتساءلت:
ـ ولماذا كلُّ هذا؟
ـ لتسأل السيِّد الجامد الفريد في ميدان التحليل النفسي!
ـ من تعني؟
ـ (سيجموند فرويد)؛ فهو أدرَى بشعاب الإجابة عن هذا السؤال!
ـ أمَّا في الواقع المحلِّي، فلن أسأل ولا تسأل: أ نحن في عصر الفلسفة أم في عصر العِلْم؟!
ـ نعم، ذلك كوكب آخر! فلقد حُرِّمت الفلسفة بأنواعها دهورًا، ثمَّ لأسبابٍ ما أُجيزت بغتةً مؤخَّرًا، حتى أصبحت موجة العصر، وواجهة المتثقِّفين المحرومين منها والأدعياء فيها معًا. لكن ذلك جاء في الوقت الضائع، وبعد انقراض الفلسفة والتفلسف على يدَي العِلْم التجريبي. فحراكنا الثقافي يأتي تقليدًا غالبًا، وعلى طريقة: (الحَجِّ والناس راجعون)!
ـ لا عجب، فتلك فلسفتنا الخاصَّة في التبعيَّة الأبديَّة، وإنْ لظِلال الآخَرين، بعد أن ينصرفوا عن المكان والزمان!
ـ ولا شكَّ أنَّ أشدَّ الرِّجال ذكوريَّة وتعنُّـتًا في ذكوريَّته - غربًا وشرقًا- سيكون نصيرًا لذلك النمط من النسويَّة- المضادِّ للمرأة- وأكثر تهليلًا له من الحركة النسويَّة ذاتها! أعني النسويَّة التي ترى حُريَّة المرأة في تعرِّيها. والتعرِّي هنا ليس للجسد فحسب، بل أخطر منه تعرِّي القِيَم، وتعرِّي الفِكْر، والتعرِّي عن المبادئ الاجتماعيَّة والطبيعة السويَّة. وهذا النوع الأخير هو السائد الأكبر في المجتمعات الشرقيَّة المنغلقة؛ حيث المرأة والرجل قد يُنظِّران لواقع حُلُميٍّ آخَر، لا يعيشانه، ولا يستطيعانه، بحُكم العادات والتقاليد. ولا نعني أنه كان عليهما أن يعيشاه، بل عنينا أنَّ هناك تمزُّقًا في المفاهيم، واضطرابًا في فهم الذات والآخَر، وشطحًا في الوعي بالفارق بين الحُريَّة وتقليد حُريَّة ظاهريَّة زائفة مجتلَبة من مجتمع مختلف الشروط والثقافة والمنطلقات. بل قل من مجتمعٍ رأسمالي، يستثمر في كلِّ شيء، بما في ذلك الاستثمار على حساب حقوق المرأة باسم حقوقها. ومن ثمَّة تلحظ ركاكةً معرفيَّة في رفع شعارات ومناقضتها في صميم الممارسة.
ـ ولذا فإنَّ كثيرًا من الشُّعراء والكُتَّاب قد يَدْعُون إلى تحرير المرأة وهم أكثر الناس امتهانًا لكرامة المرأة في أعمالهم، وتصويرًا مُذلًّا لها في قصائدهم ورواياتهم؛ وكأنها أَمَة، همُّها في الحياة إمتاع سيِّدها، أو التمرُّد عليه لإمتاع سيِّدٍ آخَر!
ـ بل أضف إلى هذا أنَّ كثيرًا من الكاتبات والروائيَّات يجأرن بحقوق المرأة ليلًا ونهارًا، وهن، في الوقت نفسه، يرسمن عن شخصيَّات بنات جنسهنَّ أتفه الصُّوَر وأشدَّها ابتذالًا وأشذَّها طبيعةً في أعمالهن، مظهِرات ذلك في زِيِّ الحُريَّة الاجتماعيَّة المنشودة.
ـ ألا ينمُّ ذلك عن لَبْس مريع في الفهم، وقصورٍ مخجل في تمثُّل ما تعنيه الحُريَّة والكرامة.
ـ بلى. والسبب أنَّ هؤلاء وأولئك قد نُشِّئوا في مجتمع ارتبطت صورة الحُريَّة النسائيَّة- لا بحُريَّة التعلُّم والفِكر والقرار- ولكن بحُريَّة التحرُّر من اللباس، والتنصُّل من القِيَم الاجتماعيَّة. وكانت طائفة المحافظين ضِدَّ هذا التوجُّه، بطبيعة الحال؛ فورثنا عُقدتنا الاجتماعيَّة المركَّبة، التي ينتج عنها أن تصبح أوَّل حركةٍ تتَّخذها المرأة في اتجاه ما تعتقده الحُريَّة ومنح المرأة حقوقها، أن (ترمي حجابها)، ثمَّ ثيابها، وتركب رأسها في مصادمة النظام الاجتماعي أو الدِّيني والثقافي العامِّ، الذي وُلدتْ فيه ونشأت من خلاله.
تفعل ذلك، بقطع النظر عن اقتناعها بصوابيَّة ذلك النظام أو عدمه، فالأمر هاهنا محض مكابرة، وردَّة فعلٍ مضادَّة، تردفها هوسيَّةٌ تقليديَّةٌ بنموذج امرأةٍ شقراء، أُضْفِيَتْ عليه هالات الجمال والكمال والنور، من خلال الضخِّ الإعلامي، حتى كادت تكون نموذجًا مثاليًّا مقدَّسًا أعلى (Archetype)؛ إذ اقترنتْ الصورة النمطيَّة للحُريَّة بسحنتها، وهيئتها، ولون شَعرها، وعينيها، وطريقة لباسها، إنْ وُجِد.
ـ ولو كانت تلك المرأة دابَّةً تعمل في أحطِّ المِهَن؟
ـ ولو! لذا لا تستغرب ممَّن تسلك هذا المسلك أن تسمعها تُقِرُّ بأنَّ الحِجاب واجبٌ، وبما أنها هي مسلمة، لا غبار عليها، فإنها تحترم المحجَّبات، ولكن...
ـ ولكن ماذا؟
ـ «ول كن» فقط! سلوكها مجرَّد «مزاج»، لا ينبني لا على فِكر، ولا على سبب، ولا يأتي عن اقتناع بما تفعل أو بما تدع! وحينئذٍ يصبح مثل هذا السلوك سلوكًا ذا دوافع ذاتيَّة، كأيِّ جنوح آخَر، يتمخَّض عن ردَّات فعلٍ نفسيَّةٍ أو اجتماعيَّة.
ـ وعلى سالفة «النسويَّة»، لستُ أدري، «ولا أنت تدري يا ذا القُروح»!، كيف تتصوَّر سيِّدةٌ أنْ لا يكون الرَّجُل ذكوريًّا بامتياز، كي تُحاضره، وتُحاصره بموعظةٍ حسنة، عن مثالب الذكوريَّة ومناقب النسويَّة، وهي كـ(المتجرِّدة) وهو كـ(النابغة الذُّبياني)؟!
ـ أنَّى للمسكين أن يُصغي إلى المحاضرة في تلك الحال، أو أن يفهم الموعظة الحسنة، ويستوعب تعاليمها العميقة، أو يستطيع تطبيقها بحذافيرها، في جوِّ هذا الحضور العارم!
ـ إلَّا أن يكون قد بلغ من عدم «النبوغ» و«الذُّبيانيَّة» حدًّا لا رجعة عنه ولا يُحسَد عليه!
ـ وذلك نادر، والنادر لا حُكم له! لأنَّ أيَّ رجُل لا تستبدُّ به شياطين الفحولة الجاهليَّة، عندئذٍ، ولا تجوس فيه وحوش الذكورة، ليس طبيعيًّا!
ـ أم تُراها تريد أن يكون الرَّجُل كذلك بالفعل؟!
ـ كيف له أن يتربَّى إذن على احترام عقل المرأة، وهي لا تُغريه إلَّا بنقائضه؟! أو هي- على الأقل- تُبرز له منها ما يطغَى على ما سواه؟
ـ على الرَّجُل أن يعترف بأنه سيفشل في استجابته لخطاب التهذيب النِّسويِّ أمام هذا السلاح المزدوج والتحدِّي المتناقض!
ـ لا يعني هذا أن على المرأة أن تكون رَجُلًا أو مسترجلة، ليطابق قولها فعلها!
ـ كلَّا، لم نقل هذا! غير أنَّ عليها أن تعي أنها كثيرًا ما تصنع الذكورة والفحولة بنفسها، وتستجيب لرغباتهما ونداءاتهما وإغراءاتهما وتملُّقاتهما وما تزيِّنانه لها، وببلاهة بريئة، وفمٍ فاغرة، ثمَّ إذا هي بعد ذلك تشكو من عواقب ما فعلتْ يداها، وتندب حظَّها في مجتمعها، وهي التي صنعت الطاغية واستخرجت المارد من القُمْقُم، لا غيرها. فيداها أوكتا وفوها نفخ!
ـ بالعودة إلى ما مرَّ حول الكاتبات والروائيَّات اللائي يجأرن بحقوق المرأة ليلًا ونهارًا، ومع هذا يرسمن عن شخصيَّاتهن السرديَّة صورًا مبتذلة. لا تنس أنَّهنَّ يتذرَّعن بضرورة كشف المسكوت عنه في المجتمع. فلا تظلمهن، يا (ذا القُروح)!
ـ التذرُّع بكشف المسكوت عنه لا ينبغي أن يعشينا أيضًا عن أنَّ المسكوت عنه يظلُّ أمرًا طبيعيًّا في الحياة. ولا عن أنَّ (نقل الواقع) في روايةٍ لا يعني رواية، لدَى من يعي ما الأدب وما وظيفته! فليس الأدب، في أيِّ جنسٍ من أجانسه، نقلًا وإخبارًا وفضحًا.
ليس من الأدب في شيءٍ أن ينقل الكاتب الواقع بسوءاته، ويمشي، قائلًا، بكُلِّ سذاجة: أنا أُصوِّر الواقع! وما أسهل ذلك! فلتحمل، إذن، «كَامِيرا فيديو» وتصوِّر، وتريح وتستريح! إنَّ آلةً تصويريَّةً بوسعها أن تكون أعظم روائيَّة على هذا الأساس. حينئذٍ لا يكون الكاتب إلَّا نقَّالًا أو نقَّالة، لا أديبًا ولا أديبة أصلًا. ولدينا بصفةٍ عامةَّ خلطٌ عجيبٌ في هذه الألقاب والمصطلحات: (أديب/ كاتب/ شاعر/ مفكِّر.. إلخ). ذلك أنَّ الأديب كاتب موهوب، كالشاعر، وإنْ لم يكن شاعرًا، وهو ذو لغةٍ فارقةٍ وأسلوبٍ مستقلٍّ لافت. وليس كلُّ مَن كتبَ أديبًا، ولا كلُّ من اشتغل بالأدب أديبًا. فـ(العقَّاد)- على سبيل المثال- يُعَدُّ، عند التدقيق في المصطلح، مفكِّرًا، لا أديبًا، وإنَّما الأديب بحقٍّ (طه حسين)، وأشباهه من الكتَّاب.
هذا الذي حين تقرؤه يهزُّك أسلوبه، فيُصبح ما يكتب نصًّا أدبيًّا، بغَضِّ النظر عن طبيعة الموضوع. وعلى هذا فقِس.
ومن هذا المنطلق فإنَّ دَور الكاتب - الذي قد يُحتجُّ على تسمية ما يكتب أدبًا لأنه يصوِّر الواقع- إنَّما يشبه دَور الكاتب الصحفيَّ أو الإعلاميَّ، الذي يبحث عن «خبطةٍ» صحفيَّةٍ أو إعلاميَّة، يخبط به المجتمع، وتُكسِّر الدُّنيا والدِّين، ولو عبر فضيحةٍ تدمِّر أُسرة، أو تروِّع مجتمعًا، أو تنشر الفساد.
مع أنَّ للإعلام كذلك معاييره، وأخلاقه المهنيَّة، التي تُقَنِّن ما يقال وما لا ينبغي أن يقال. بَيْدَ أنَّ هذا هو فهم الإعلام أيضًا في بعض العالم المعاصر على كُلِّ حال! نعم، هناك من يحتمي بتلك الذريعة، فيُدافع قائلًا: إنَّ هذا هو الواقع، وأنا أنقله.. هذا واقعكم، فلماذا أواريه ولا أرويه؟! وهذا الاحتماء هو مواراة لسوأتين لدَى هذا الكاتب، ضعف القيمة الأدبيَّة لعمله، والجهل بماهيَّة ما يدَّعيه أدبًا. ذلك أنَّ من وظيفة الأدب نقد الواقع، لا نقل الواقع على عواهنه. وحينما نقول إنَّ وظيفة الرواية- مثلًا، وهي ميدان الجدل الأكبر اليوم- نقل الواقع، فإنَّنا ننزلق من وظيفة الأدب إلى وظيفة الإعلام الرخيص، ومن دَور الإنسان إلى دَور آلة التصوير، إنْ أمكن أن تعمل آلة التصوير دون استخدام الإنسان وتوجيهه.
** **
- (العضو السابق بمجلس الشورى- الأستاذ بجامعة الملِك سعود)