د.عبدالإله آل سودا
لم يعد الذكاء الاصطناعي، ولا مشاريع إيلون ماسك، ولا الوعود البرّاقة بالروبوتات الخادمة، والوفرة المترَفَة الوارفة، مجرد تطور تقني متسارع يمكن قراءته بأدوات الاقتصاد والتكنولوجيا وحدها. نحن - في واقع الأمر- أمام ظاهرة أعمق؛ ظاهرةٍ تُشكّل ما يمكن تسميته بـ «توجه التقني». وهو توجه آخذ في التشكّل بالمعنى العميق للاتباع، لا بمعناه المصطلحي المستقر، الذي يتمحور حول منظومة شعائرية، وإنما بمعنى التلقي عن مصدرٍ ما، بخضوعٍ تام! هي ظاهرةٌ أشبه ما يكون بنسق نفسي ناعم وخفي، يتسلل إلى وعينا الجمعي، حاملاً معه جُلّ ما يمكن أن يَحمله التوجه من أدوات؛ فهو نسق مؤثر يَـعِـد ويُوعِد، بما يشتمل عليه من تبشيرٍ بالكفاءة(تحسين الأداء التقني لحل جميع مشاكل الإنسان وإراحته)، وتَطمينٍ بالخلاص من الألم، وإيعادٍ للإنسان بفقد قيمته حين لا ينضوي تحت هذا نسق التوجه التقني. فهو توجه لا يدّعي لنفسه أنه مرجع، وهنا -تحديدًا- مكمن قوته وخطورته معًا.
إنّ إيلون ماسك حين يتحدث عن صواريخ ستارشيب، أو عن الروبوتات البشرية، أو عن الشرائح العصبية(نيورالينك)، أو عن الذكاء الاصطناعي القادر على تجاوز البشر في الطب والهندسة والقيادة، أو مركز البيانات المداري الفضائي، هو في حقيقة الأمر، لا يقدّم منتجات، بل يطرح تصورًا شاملًا لما يمكن أن نسميه «نظام تشغيل جديد للحياة البشرية». فهو نظامٌ يقوم على فرضية بسيطة وخطيرة في آن واحد، مَـفَـادُها أن كل ما يمكن تحسينه تقنيًا ينبغي تحسينه، وكل ما يمكن أتمتته ينبغي أتمتته، وكل ما يمكن تسليمه للآلة ينبغي تسليمه دون تردد. وعندها لا يَكون السؤال: ماذا يمكن للتقنية أن تفعل؟ وإنما: ماذا سيبقى للإنسان إذا فعلت التقنية كل شيء؟!
في تضاعيف هذا التحول تقف الأنظمة الذكية والروبوتات البشرية، كمشروع «أوبتيموس»، بوصفها نقطة انعطاف بين مرحلتين: مرحلةٍ كانت فيها الآلة أداة في يد الإنسان، ومرحلة تصبح فيها الآلة بديلًا وجوديًا عنه في الفعل ذاته. فالروبوت ليس مجرد ذراع صناعية في مصنع، بل كيانًا مسؤولاً عن مهام متعددة، فهو يطبخ وينظف ويبني ويرعى ويجري العمليات الجراحية، ويقترح التوصيات الطبية والقضائية والحياتية الخاصة.
وهذا الأمر قد يبدو مغرياً من الناحية التقنية؛ فدماغ الإنسان وجسده محدودا الطاقة بالقياس إلى جسد الآلة الميكانيكي الذي يعمل بدقة (نانوية) بلا كلل ولا ملل. إلا أنّ الخطر هنا لا يكمن في دقة الأداء، وإنما في نقل الوكالة الإنسانية نفسها إلى كيان غير بشري. فالإنسان طوال القرون الماضية بنى هويته باحتكاكه المباشر بالمادة، وبممارسة المحاولة والخطأ والتعديل، وبشعوره أنه قادر على التأثير في العالم الفيزيائي من حوله. وحين يتخلى الإنسان عمّا جُبل عليه، ويَكِلُ جميع مهامه للربوت والأنظمة الذكية؛ يَنشأ ما يمكن تسميته «الاغتراب عن المادة»: عالم يخدمك بالكامل دون أن تفهمه أو تبذل جهدًا فيه، فتفقد الإحساس، وهو إحساس يُفقدك الشعور بقيمة الرفاهية والترف الذي أسداه إليك هذا العالَم التقني المتطور.
فالاتجاه التقني نشأ في زمن مختلف؛ زمنٍ صار الخوف فيه من القصور البشري هو السائد عِوضًا عن الخوف من الطبيعة. فالإنسان ما عاد يخاف البرقَ بقدر خوفه من خطأ الطبيب، أو بطء السائق، أو انحياز القاضي، أو جهل الإنسان بما يُصلحه ويَهديه. وهنا تظهر التقنية بوصفها بديلاً معرفياً وأخلاقيًا وليست مجرد أداة فحسب؛ فهي قد باتت كيانًا متعاليًا يُفترض أنه يرى أكثر، ويحسب أدق، ويخطئ أقل. ومن هذه اللحظة يبدأ التحول الصامت من استعمال التقنية إلى الاحتكام إليها.
وتَخيّل معي قاضيًا ما ، يتخذ الخوارزمية أداة تساعده في اختصار الوقت للوصول إلى الحُكم القضائي الأمثل؛ فتقترح الخوارزميةُ عليه الحكم، ثم تحدد مستوى الخطورة، فيجد القاضي أداءً باهرًا يجعله مستقبلا يعتمد عليها كلياً بعد أن كانت مجرد أداة. وقس على ذلك التوصيات الخوارزمية الطبية والمالية والحياتية إلخ، وهنا لا تختفي السُلطة البشرية رسميًا وظاهريا، لكنها تنتقل عمليًا وضِمنيا إلى الآلة.
في هذا السياق، يمكن قراءة الخوارزمية بوصفها «الاتجاه الجديد». فهو مرجع تؤخذ توصياته بجدية واهتمام نظرًا لكونه كياناً متطورًا. وصحيحٌ أنه لن تقدّم له الطقوس، فكثير من الناس ستقل أو تختفي لديهم عباراتٌ مثل: «أنا أرى/بعد تأملي الشخصي/ بعد رجوعي للأدلة والقرائن إلخ»، وسيحل مكانَها: «النظام يقول». وسيتحول الحكم من تجربة بشرية قابلة للنقاش إلى مخرج رقمي يُعامل كحقيقة نهائية. ومع اتساع اعتماد المجتمعات على أنظمة التوصية، والتشخيص الآلي، والتحليل السلوكي، يتكرس تصور ضمني بأن الخوارزمية أقل تحيزًا من الإنسان، وأكثر موضوعية، بل وأكثر أخلاقية. لكن هذا التصور يُغفِـل أن كل خوارزمية هي في النهاية نتاج بيانات بشرية، وأن البيانات بدورها مشبعة بانحيازات التاريخ والسلطة والاقتصاد. وهنا يحدث ما يمكن تسميته «تبييض الانحياز»، وذلك حين يتحول القرار المتحيز إلى حقيقة مقبولة لأنه خرج من صندوق أسود معقّد لا يفهمه أحد.
وإذا كانت الخوارزمية هي المرجع، فإن «البيانات» تصبح القائد الجديد. والوقود هو التدفق الهائل للبيانات؛ فما لا يُقاس لا يُعتد به، وما لا يُنمذج لا يُرى، وما لا يدخل في النظام يصبح خارج الوجود الفعلي. هكذا تُسحب الشرعية من الحدس، والضمير، والتجربة الذاتية، ويُعاد تعريف الحقيقة بوصفها ما يمكن تحويله إلى رقم. وعندها سيتحول الإنسان من كائن يعيش التجربة إلى كائن يُختزل في ملف بياناتي، ليقدم المرجع الوفرة: وفرة الغذاء بالزراعة المؤتمتة، ووفرة العمل بالروبوتات والأنظمة الذكية، ووفرة الصحة بالطب الخوارزمي، وفرة الطاقة عبر الشمس والبطاريات، بل ربما وفرة العمر عبر الهندسة البيولوجية. إنه وعد بالخلاص من كل ما شكّل المعاناة الإنسانية تاريخيًا: التعب، المرض، الندرة، وحتى الموت. والخلاص هنا ليس أخرويًا، وإنما وظيفياً آنياً؛ يُدار بخوارزميات دقيقة. وهذه الراحة بالغة الإغراء لأنها ملموسة.
وعلى غرار كل نسق مرجعي، لابد أن تنشأ طبقة من علماء هذا التوجه، غير أنهم في هذا التوجه علماء دون عمائم . فـ(الكهنوت) الجديد عبارة عن مهندسين وتكنوقراط ، يحرسون البنية الخوارزمية، ويَعرفون لغتها جيدا، ويفكون شفراتها المعقدة التي لا يفهمها العامة. ليست نياتهم بالضرورة سلطوية، لكن سلطتهم فعلية؛ فهم من يحدد ما يمكن للنظام أن يفعله، وما ينبغي أن يُمنع، وكيف تُصمم الخوارزميات التي ستدير حياة الملايين. إنها سلطة غير منتخبة، لكنها عميقة التأثير.
والأخطر في هذا الاتجاه أنه لا يطلب التصديق الصريح، بل الطاعة الصامتة. ولا يفرض قيودًا، بل شروط استخدام. فلا يقول «اتبعني»، بل «وافق على الشروط». لا يكرهك، بل يغريك بالراحة. يقول للإنسان: استرح، سأفكر عنك، أقرر عنك، أعمل عنك. وهنا تتحقق المقايضة الكبرى: الحرية مقابل السهولة. ويُلحظ هنا أنه لم تستطع أي قوة عظمى في التاريخ أن تنتزع الحرية بهذه السلاسة التي تنتزعها بها التطبيقات والخوارزميات اليوم.
وفي هذا السياق، يتحوّل إيلون ماسك عند أتباعه إلى «مرجع تقني يوجه الخوارزميات». فهو حين يتحدث، لا يتحدث بلغة غير مفهومة، وإنما يقدم سردية خلاص كاملة: الهروب من فناء الأرض باستعمار الكواكب، وتجاوز قصور الجسد بالشرائح العصبية، وإنهاء كدح العمل بالروبوتات، وتحقيق الوفرة بالطاقة والذكاء الاصطناعي ومركز البيانات المداري. إنه يبني (الفردوس التقني) بطوب من السيليكون، ويَرى الاعتراضات الأخلاقية انفعالاً إنسانيًا معيقًا أمام حتمية التقنية، لا أسئلة وجودية مشروعة.
وماذا بَعد؟ كيف لنا أن نقاوم التبشير بهذا الاتجاه الجديد؟ ورأيي أن مقاومته لا تكون بتحطيم الآلات والأنظمة الذكية أو رفض الابتكار، وإنما بإعادة أنسنة ما تحاول التقنية اختزاله، وبإصرارنا على قيمة الأسئلة التي لا تُحل، وعلى حق الإنسان في الخطأ والتجربة والاحتكاك بالمادة من حوله، والتعاطي مع الحياة والأحياء، وعلى ضرورة الألم بوصفه جزءًا من المعنى، وعلى أن بعض المساحات(الرعاية، والحب، والتربية، الصداقة إلخ) تفقد جوهرها حين تُؤتمت. فالمقاومة هنا ليست ضد التقنية، بل ضد اتباعها، وضد تحويل الأداة إلى رمز.
إننا فضلاً عن شهودنا لثورة صناعية جديدة، نشهد تحولًا في بنية التوجه نفسه، وامتحاناً له. في عصر أحاطتْ فيه بنا التقنيةُ إحاطة السوار بالمعصم؛ ونتج عن ذلك انتقالٌ من غير الحاضر إلى الصندوق الأسود. ومن الأمل في مستقبل أفضل إلى محاولة تصنيع ذلك المستقبل خوارزميًا.
ومن الإيمان بزمنٍ قادم يَحمل الحلول إلى فهم أن الحلول يمكن تصميمها وتشغيلها كنظامٍ تقني. ومن تفسير الألم إلى إزالته. لكن يبقى السؤال الذي لم يستطع الاتجاه التقنية الإجابة عنه بعد: إذا أزالت التقنية كل أسباب المعاناة، فهل ستمنح الإنسان معنى لفراغه، أم ستتركه مرفّهًا يعاني الفراغ العملي؟ لأن أخطر ما في هذا الاتجاه أنه لا يقول للإنسان «اتبعني»، بل يقول له بهدوء بالغ الإغراء: استرح… وسأكون أنا عقلك، ويدك، ومستقبلك. وحين تتكفل الآلات والأنظمة الذكية بكل شيء، سيصير الإنسانُ مسؤولاً عن سبب فراغه، ولكنه حينها، إذا لم يهتدِ إلى الرشاد؛ سيجد نفسَه خاضعًا للخوارزمية بقصد أو دون قصد.