خالد محمد الدوس
يّعد عالم الاجتماع الراحل الأمريكي هاريسون وايت (1930-2024) أحد أكثر المفكرين تأثيرًا في القرن العشرين، الرجل الذي بدأ مسيرته في الفيزياء النظرية، انتهى به المطاف إلى تأسيس ما يعرف اليوم بـ»علم اجتماع الشبكات»، تاركًا إرثًا أكاديميًا غير مسبوق.
ولد هذا العالم البارع في العاصمة الامريكية واشنطن عام 1930، نشأ في أسرة مثقفة نسبيا، فوالده كان طبيبا نفسيا، مما يعني أن النقاشات حول السلوك البشري والعقل كانت حاضرة في محيطه منذ صغره..! ووالدته كانت ربه منزل لكنها كانت مهتمة بالفنون والثقافة.. وهذا المزج بين العلم من جهة الأب، والإنسانيات من جهة الأم ربما كان البذرة الأولى لتكوينه الفكري الهجين..!!
فبعد أن أنهى تعليمه العالم مظهرا تفوقه الواضح في الرياضيات والعلوم الطبيعية الى جانب شغفه بقراءة التاريخ والأدب في تلك المرحلة التعليمية.. درس في تخصص العلوم الطبيعية، وتحديدا في علم الفيزياء حتى نال شهادة الدكتوراه في الفيزياء النظرية عام 1955 من (معهد ماسا تشوستس للتكنولوجيا)، الذي يعد مؤسسة أكاديمية أمريكية تجمع بين العليم والبحث والصناعة وتأسس عام 1861م، بعد أن تعرض لأقسى أنواع التدريب العملي، و تعلم في هذا التخصص كيفية بناء النماذج الرياضية وكيفية التفكير في الأنظمة المعقدة ليحصل على شهادة الدكتوراه في الفيزياء النظرية..ثم تلا ذلك حصوله على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة برنستون..! لكن من المفارقة العجيبة في سيرته بعد قضائه أكثر من عقد من الزمن في دراسة الفيزياء على أعلى مستوى شعر (وايت) بإحباط وجودي..!! حتى وهو قد أتقن القوانين الكونية الفيزيائية غير أنه ادرك ان هذه القوانين لاتستطيع الإجاية عن تساؤلاته الكبرى حول السلوك البشري والفوضى الإنسانية والظلم الاجتماعي..! وقد قال مقولته الشهيرة «الفيزياء تخاطب العالم الميت.. بينما علم الاجتماع يفهم العالم الحي»..! الأمر الذي جعله يتخذ القرار الجريء بعد حصوله على شهادة الدكتوراه في الفيزياء النظرية ويقرر العودة الى مقاعد الدراسة ليبدأ من الصفر تقريبا في حقل جديد كليا وهو (علم الاجتماع )ويلتحق بالتالي بجامعة برينستون لدراسة الدكتوراه علم الاجتماع، وقد د رس على يد علماء كبار وأساتذة معروفين مثل العالم ويلبرت مور وانغمس في قراءة أعمال كلاسيكيات علم الاجتماع لرواده الأوائل مثل مؤسس علم الاجتماع الأكاديمي الفرنسي إميل دوركهايم ورائد علم الاجتماع مؤسسه في ألمانيا العالم ماكس فيبر.
لم يكن طريق العالم (هاريسون وايت) إلى علم الاجتماع تقليديًا. فبعد حصوله على الدكتوراه في الفيزياء النظرية من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، لم يجد ضالته في المعادلات الصارمة التي تصف العالم المادي، فاتجه إلى دراسة المجتمع البشري بحصوله على دكتوراه أخرى في علم الاجتماع من جامعة برينستون. هذا المزيج الفريد بين الدقة العلمية للفيزياء ورحابة علم الاجتماع أنتج منهجًا ثوريًا في دراسة الظواهر الاجتماعية.
قبل( وايت)، كانت دراسة العلاقات الاجتماعية تعتمد غالبًا على الاستعارات الأدبية أو التصنيفات التقليدية. لكنه أراد تحويل ذلك إلى علم دقيق. استعار مفاهيم من الجبر والطوبولوجيا والفيزياء لتحليل أنماط العلاقات بين الأفراد والمؤسسات. لم يعد المجتمع مجرد مجموعة من الأشخاص المستقلين، بل أصبح شبكة معقدة من الروابط، حيث موقع الفرد في هذه الشبكة يحدد سلوكه وفرصه أكثر مما تفعل صفاته الذاتية.
يمكن اعتبار كتابه الأضخم «الهوية والتحكم» (الصادر في تسعينيات القرن الماضي) خلاصة فكره. الفكرة الجوهرية بسيطة وعميقة في آن: الكيانات الاجتماعية (أفرادًا كانوا أو جماعات) تسعى دائمًا لتأكيد هويتها في عالم مليء بعدم اليقين. ولتحقيق ذلك، تحاول السيطرة على بيئتها وعلاقاتها. من خلال محاولات السيطرة هذه، تتشكل أنماط متكررة من التفاعل، وهذه الأنماط هي التي تولد البنى الاجتماعية التي نعيش فيها، مثل الأسواق أو التسلسلات الهرمية أو الجماعات المتضامنة.
في واحدة من أشهر دراساته التطبيقية، قدم (وايت) نموذجًا مبتكرًا لسوق العمل، بدلاً من التركيز على مهارات الأفراد، ركز على «المناصب الشاغرة». تصور أن وظيفة شاغرة في شركة كبرى تؤدي إلى سلسلة من التحركات: شخص يترك وظيفته لينتقل إليها، تاركًا منصبًا شاغرًا آخر، وهكذا. هذا النموذج المستعار من فيزياء البلورات غيّر طريقة فهمنا لديناميكيات التوظيف والحراك المهني.
ربما يكون أعظم إرث» لهاريسون وايت» هو «مدرسة هارفارد لتحليل الشبكات» التي أسسها، والتي تخرج على يديها جيل من أشهر علماء الاجتماع المعاصرين، مثل مارك جرانوفيتر صاحب نظرية «قوة الروابط الضعيفة». لقد جعل وايت من تحليل الشبكات منهجًا راسخًا يمتد تأثيره اليوم إلى مجالات متعددة، من علم الاجتماع إلى الأنثروبولوجيا، وحتى علوم الحاسب والاقتصاد.
لقد كان وايت بمثابة مهندس معماري للعالم الاجتماعي، لم يقدم لنا وصفًا للمجتمع، بل أعطانا أدوات لتفكيكه وفهم كيف تتماسك أجزاؤه. حين ننظر اليوم إلى مواقع التواصل الاجتماعي أو تحليلات البيانات الضخمة للعلاقات الإنسانية، نرى بصمات واضحة لهذا العالم الفذ الذي علمنا أن المجتمع ليس مجرد أفراد، بل هو شبكة من العلاقات التي تصنعنا كما نصنعها.
وأخيرا ما يجعل سيرته ملهمة للغاية هو ذلك التحول الجذري الذي قام به في منتصف العمر تقريبا.. ترك الفيزياء التي برع فيها ليواجه عالم الاجتماع البشري المعقد والفوضوي، وبالطبع هذه الجرأة الفكرية نادرة..مما يعني أن العالم الراحل وايت لم يكن عالما بل كان (مدرسة فكرية متكاملة).