إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
تبدأ الحكاية من لحظة يغلفها الغموض، حين يطرح المرء تساؤلاً جوهرياً: كيف استطاع الفنان السعودي، في ظل بيئة كانت تنشغل ببناء مدنها ومؤسساتها الحديثة، أن يلتفت إلى «اللوحة» كضرورة وجودية؟ هل كانت تلك التخطيطات الأولى على هوامش دفاتر المدارس، أو تلك المحاولات لتجسيد ضوء الشمس فوق رمال النفوذ، مجرد رغبة في التوثيق، أم أنها كانت صرخة ميلاد لهوية بصرية لم تكن قد اكتملت ملامحها بعد؟
إن الفن التشكيلي في المملكة العربية السعودية لم يخرج من العدم، ولم يكن مجرد محاكاة لمدارس مستوردة، بل كان مخاضاً طويلاً امتزج فيه غبار الصحراء بضجيج الحداثة المنبعث من قلب التحولات الكبرى. وفي معرض «بدايات» الذي أقامته هيئة الفنون البصرية مؤخراً في ردهات المتحف الوطني بالرياض، لا نجد أنفسنا أمام مجرد عرض لوحات، بل نحن بصدد قراءة «أرشيف الأرواح» التي صاغت وجداننا الجمالي المعاصر.
إن العودة إلى الجذور التاريخية لهذا المشهد تجبرنا على الوقوف ملياً عند حقبة الخمسينيات والستينيات، تلك المرحلة التي شهدت ابتعاث الرعيل الأول وتأسيس معاهد التربية الفنية، ليعود المبدعون محملين بتساؤلات كونية حول اللون والكتلة والفراغ، ولعل السؤال الذي يطارد كل زائر لهذا المعرض: كيف استطاع هؤلاء الرواد إقناع الذائقة العامة بأن اللون يمكن أن يكون لغة قائمة بذاتها، وأن اللوحة قادرة على اختصار آلاف الكلمات عن الأرض والإنسان والتحول؟
في هذا المعرض الممتد حتى أبريل من عام 2026، تتجلى الرؤية التنظيمية التي قادتها إدارة المعرض وفريق التقييم الفني، حيث تنساب الأعمال في سردية بصرية متصلة لا تقطعها العناوين التقليدية، بل يربطها خيط رفيع من التطور الزمني الذي يأخذ الزائر من أبسط ملامح الطبيعة وصولاً إلى أعقد مفاهيم التجريد. وما إن يخطو الزائر داخل أروقة المتحف الوطني، حتى يجد نفسه محاطاً بهيبة المكان التي تتماهى مع قدسية اللون؛ فهنا يلتقي التاريخ الموغل في القدم للجزيرة العربية بصيحات الحداثة الفنية. إن المتحف الوطني، بعمارته المهيبة ومساحاته الرحبة، يمنح اللوحات المعروضة بعداً إضافياً، وكأن الجدران نفسها تنصت لصمت الفرشاة الممتد عبر العقود. حين تتجول في هذه المساحة، لا يمكنك إلا أن تتوقف طويلاً أمام فلسفة «الطبيعة والمشهد»، فتتساءل: هل كان الفنان السعودي يرسم الصحراء كما يراها بعينه المجردة، أم كما يتردد صداها في ذاكرته الجمعية؟ هنا تبرز أعمال الرواد الذين لم يكتفوا بنقل صورة النخلة أو البيت الطيني، بل غاصوا في «روح المكان»، فتجدهم قد طوعوا الضوء الحارق في نجد، والرطوبة الشاعرة في موانئ الحجاز، والضباب الهادئ في جبال الجنوب، ليخلقوا ما يمكن تسميته «الجغرافيا البصرية السعودية».
إن القوة في معرض «بدايات» تكمن في أنه يعيد الاعتبار لأسماء أسست هذا الكيان بجهد مضنٍ؛ فكيف لنا أن نمر دون الوقوف أمام تجربة محمد السليم، الذي لم يكتفِ بالرسم، بل كان بمثابة منارة مؤسسية، حيث ابتكر أسلوباً متفرداً ومميزاً في تعامله مع «الآفاقية»، ذلك الأسلوب الذي جعل من الأفق الصحراوي امتداداً لا نهائياً للروح، مدمجاً انحناءات الحرف العربي في نسيج الفضاء البصري بعبقرية قل نظيرها. السليم لم يكن يرسم الأفق فحسب، بل كان يبني فلسفة كونية تجعل من الفراغ السعودي فضاءً للإبداع لا للضياع. وماذا عن عبد الحليم رضوي، ذلك الفنان الذي نقل نبض الحارة الحجازية وأهازيجها إلى لغة اللون، وكان من أوائل من تجرأ على إقامة معرض فردي احترافي في منتصف الستينيات، متحدياً السائد ليثبت أن الفن ضرورة لا ترفاً؟ إن كل ضربة فرشاة من رضوي كانت بمثابة إعلان استقلال بصري، يمزج بين التراث الشعبي والنزعة الحركية العالمية.
يستمر السرد البصري ليطرح تساؤلاً آخر يخص الحضور النسائي الباكر: كيف استطاعت المرأة السعودية أن تضع بصمتها في تلك «البدايات»؟ وهنا تطل علينا فرشاة صفية بن زقر، التي لم تكن مجرد فنانة، بل كانت مؤرخة بصرية تحفظ تفاصيل النسيج والحلي والتقاليد الاجتماعية من الاندثار، واضعةً نصب عينيها توثيق ملامح الإنسان الذي كان يخشى الذوبان في بحر العصرنة. جنباً إلى جنب مع تجربة منيرة موصلي التي تمردت على القوالب الجاهزة، وذهبت تبحث عن خاماتها في أحضان الأرض، مستخدمة وسائط غير تقليدية لتؤكد أن الفن هو حالة بحث مستمرة عن الحقيقة الكامنة خلف المظاهر. إن الموصلي في رحلتها لم تكن ترسم لوحة، بل كانت تخوض مغامرة اكتشاف للذات وللمادة، محطمة القيود الأكاديمية الصارمة لتؤسس لغة عفوية وعميقة في آن واحد.
إن المعرض يضم مجموعة واسعة من المبدعين الذين لم يكونوا يرسمون لوحات فحسب، بل كانوا يضعون لبنات في جدار النهضة الثقافية؛ من عبد الله الشيخ الذي غاص في أعماق التكوين الإنساني بمقاربته التعبيرية الفريدة، إلى طه الصبان وضياء عزيز ضياء ويوسف جاها، وصولاً إلى نبيلة البسام وهشام بنجابي وعبد الرحمن السليمان. كل واحد من هؤلاء الرواد قدم إجابة مختلفة على سؤال الهوية؛ فبينما ذهب البعض نحو الحروفية كتعبير عن الأصالة، انطلق آخرون نحو التجريد المطلق كطريقة لمواكبة الروح الإنسانية الشاملة. إن الزائر يشعر وهو يتنقل بين هذه الأعمال بوجود «مختبر إبداعي» حي، خاصة عند رؤية المخطوطات الأولية والرسومات التحضيرية التي سبقت اللوحات الكبيرة، وهو ما يثير الفضول حول رحلة القلق الإبداعي التي مر بها هؤلاء الفنانين قبل وضع اللمسة الأخيرة؛ هل كانوا يدركون حينها أنهم يؤسسون لذاكرة أمة؟ أم أنهم كانوا يمارسون فعل الحرية والاكتشاف في أبسط صوره؟
إن أهمية «بدايات» تتجاوز كونه فعلاً احتفالياً، فهو مختبر حقيقي لتحليل «الحداثة السعودية»، تلك الحداثة التي لم تكن منفصلة عن الجذور، بل كانت نتاج استثمار واعٍ في التعليم، وتفاعل حي مع التحولات العالمية بقلب محلي خالص. إن تفاعل الزوار مع المعرض، من الشباب والجيل الجديد على وجه الخصوص، يثير تساؤلاً ملحاً: كيف يرى ابن القرن الحادي والعشرين تلك الأعمال التي وُلدت قبل ستين عاماً؟ الصمت والتأمل الذي يسود ردهات المتحف الوطني يعطي الإجابة؛ فالجمال الحقيقي لا يشيخ، بل يزداد سطوعاً كلما ابتعدنا عن زمن ولادته. إن اللوحات لم تعد مجرد ألوان فوق قماش، بل أصبحت وثائق عاطفية تربط الأحفاد بالأجداد، وتشرح للجيل الحالي كيف تم تعبيد الطريق الفني الوعر الذي يسيرون عليه اليوم بكل سلاسة.
هل سألنا أنفسنا يوماً: لماذا تسيطر الرمزية على بعض الأعمال وتغيب عن أخرى؟ المعرض يجيب عبر تباين الأساليب، موضحاً كيف تماهى الحرف العربي مع التجريد ليصبح قيمة جمالية مطلقة، وكيف استطاعت الفرشاة أن تكون أداة نقد وتأمل وتوثيق في آن واحد. إن هذا الزخم الذي يحتضنه المتحف الوطني يضعنا أمام مسؤولية كبيرة تجاه تاريخنا الجمالي؛ فالمعرض ليس للماضي فقط، بل هو جسر للمستقبل، يخبر الأجيال الجديدة أن المشهد الحالي لم يبدأ من فراغ، بل بدأ بإيمان راسخ بأن الجمال هو أرقى أشكال البقاء والمقاومة ضد النسيان. إن «بدايات» هو محاولة لاسترجاع تلك اللحظة الدهشة، لحظة اكتشاف أننا نملك صوتاً بصرياً يخصنا وحدنا، وأن شمس الإبداع في هذه الأرض لا تغيب، بل تتجدد في كل معرض ومبادرة.
وفي نهاية هذه الجولة الشاسعة التي تأخذنا من صمت اللوحة إلى ضجيج الأسئلة، يبقى التساؤل الأخير عالقاً في أذهاننا: إذا كانت هذه هي «البدايات» بكل ما فيها من أصالة وعمق وتحدٍ، فأي آفاق ينتظرها الفن السعودي في ظل رؤية طموحة جعلت من الثقافة والفن ركيزة أساسية لجودة الحياة ومرآة للتحضر؟ إن «بدايات» هو دعوة مفتوحة ليس للمشاهدة فقط، بل للتأمل في هوية أمة تشرق شمس إبداعها كل يوم بلون جديد، وبإيقاع يتجاوز حدود الزمان والمكان. إننا هنا لا نمجد الأسماء لذاتها، بل نحتفي باللحظة التي قرر فيها الإنسان السعودي أن يمسك بالفرشاة ليقول للعالم بكل ثقة: هذه قصتي، وهذا هو ضوئي الذي لن ينطفئ.
قائمة الفنانين المشاركين (ترتيب أبجدي)
إبراهيم الفصام - إبراهيم بوقس - أحمد الزهراني - أحمد السبت - أحمد الغامدي - أحمد المغلوث - أحمد طيب منشي - أحمد عبدالعزيز الأعرج - أحمد فلمبان - بدرية الناصر - بكر شيخون - تركي الدوسري - جميل الجفري - حسن عبدالمجيد - حماد الجعيد - حمزة باجودة - خالد العبدان - خليل حسن خليل - سعد العبيّد - سعد المسعري - سعدون السعدون - سعود العيدي - سعود القحطاني - سليمان باجبع - سمير الدهام - صالح خطاب - صفية بن زقر - ضياء عزيز ضياء - طه الصبان - عبد الجبار اليحيا - عبد الحليم رضوي - عبدالحميد البقشي - عبد الرحمن السليمان - عبدالستار الموسى - عبد العزيز الحماد - عبدالله ادريس - عبد الله الشلتي - عبد الله الشيخ - عبدالله المرزوق - عبد الله حماس - عبدالله نواوي - عبده ياسين - عثمان الخزيم - علي الرزيزاء - علي الصفار - علي الغامدي - فهد الحجيلان - فهد الربيق فؤاد مغربل - فيصل المشاري - فيصل سمرة - كمال المعلّم - محمد الأعجم - محمد الحمد - محمد الرصيص - محمد السليم - محمد الصقعبي- محمد الصندل - محمد المنيف - محمد راسم - محمد سيام - محمد طاهر كردي - محمد رضا وارس - مفرح عسيري - منصور كردي - منيرة موصلي - مهدي راجح - ميرزا صالح - ناصر الموسى - نبيل نجدي - نبيلة البسام - هشام بنجابي - يوسف جاها.
التنظيم:
هيئة الفنون البصرية - وزارة الثقافة.
القيم الفني:
قسورة حافظ، مساعد قيم فني أول فاليريا مينيغيلي
اللجنة الاستشارية:
مستشارو البحث: عبد الرحمن السليمان، د. محمد الرصيص، د. شربل داغر.
مستشارة التقييم الفني: رنيم فارسي
المقر: المتحف الوطني السعودي - الرياض.
** **
تويتر: AL_KHAFAJII