د. هبة توفيق أبو عيادة
يمضي رمضان سريعًا كأن أيامه ومضات نور، بالكاد نلتقط أنفاسنا حتى نجد أن ثلثه قد انقضى. قبل أيام فقط كنا نستقبل الهلال بقلوب مشتاقة، ونرسم في مخيلتنا خططًا للطاعة، ونعاهد أنفسنا على التغيير، فإذا بنا اليوم نقف عند محطة الثلث، نتأمل ما مضى ونتساءل: ماذا بقي من العهد؟ وماذا بقي من العمر؟ إن مرور الثلث ليس نذير خسارة؛ بل جرس يقظة: يذكّرنا أن الزمن لا ينتظر أحدًا، وأن الفرص العظيمة لا تُمنح مرتين بالصورة ذاتها، وأن من فاته بعض الطريق ما زال يستطيع أن يدرك بقيته إن صدق العزم.
رمضان ليس أيامًا تُعدّ، بل أنفاسًا تُزكّى، وقلوبًا تُصقل، وأرواحًا تُعاد صياغتها. مضى الثلث، وربما لم يكن على قدر الطموح؛ ربما تسلل شيء من الغفلة، أو غلبتنا مشاغل الحياة، أو خفتت حرارة البداية. لكن الجمال في هذا الشهر أنه شهر الفرص المتجددة، لا يُغلق أبوابه أمام المتأخرين، ولا يطرد من طرقه خجِلًا من تقصيره.
الثلث الباقي كثير، كثير بما يحمله من إمكانات، كثير بما يختزنه من بركات، كثير بما يفتحه من أبواب لمن أحسن الاستقبال.
قارئنا الكريم إن استثمار ما تبقى يبدأ بموقف صدق مع النفس.
أن نقف لحظة هادئة بعيدًا عن الضجيج، ونراجع أنفسنا: كيف كان حالنا فيما مضى؟ هل اقتربنا من القرآن كما تمنيتنا؟
هل رقّت قلوبنا كما دعونا؟ هل خفّ حملنا من الذنوب كما رجونا؟ ليست الأسئلة لإيلام الضمير، بل لإيقاظ الإرادة.
فالمحاسبة الصادقة ليست جلدًا للذات، وإنما إعادة توجيه للبوصلة. ومن أدرك موضع الخلل استطاع أن يصلحه، ومن اعترف بالتقصير فتح لنفسه باب التعويض.
الثلث كثير لأن البركة ليست في عدد الأيام، بل في صدق الإقبال.
كم من لحظات قصيرة غيّرت مسار إنسان، وكم من دمعة في جوف الليل فتحت أبواب الطمأنينة لسنوات. قد يكون ما مضى فات، لكنه لم يذهب بلا أثر؛ لقد علّمنا شيئًا عن ضعفنا، وعن حاجتنا، وعن هشاشة عزائمنا إن لم تتكئ على الله. وما بقي هو ميدان الجبر، جبر التقصير، وجبر الكسر، وجبر الفتور.
فالله الذي بلّغنا هذه الأيام قادر أن يبارك لنا فيما بقي، وأن يجعل القليل كثيرًا إذا صدقت النية.
إن اغتنام ما تبقى لا يحتاج مشاريع ضخمة بقدر ما يحتاج ثباتًا بسيطًا. أن نختار عبادة أساسية لا نفرّط فيها مهما تبدلت الظروف؛ وردًا يوميًا من القرآن نتعاهده بصدق، ركعات في جوف الليل نخصّ بها خلواتنا، صدقة خفية لا يعلمها إلا الله، خلقًا حسنًا نلتزم به في بيوتنا وأعمالنا. الاستمرار في القليل خير من اندفاع كبير يعقبه انقطاع. فالروح تحب الثبات، والقلب يأنس بالعهد إذا تكرر، والإيمان يقوى بالتراكم الهادئ لا بالقفزات المؤقتة.
رمضان أيضًا فرصة لإعادة ترتيب الأولويات. ربما شغلتنا تفاصيل الطعام والسهر والزيارات، فسرقت منّا لحظات كان يمكن أن تكون زادًا أبقى. الثلث الباقي دعوة للبساطة؛ أن نقلل ما يشتت، ونكثر مما يثبت. أن نختار صحبة تعيننا على الطاعة، وأن نهيئ بيوتنا لأجواء سكينة لا صخب فيها. فالبيئة تصنع فارقًا كبيرًا في دوام الهمة، ومن أحاط نفسه بأسباب الخير سهل عليه السير.
ثم إن في ما تبقى رجاءً أعظم؛ فكل يوم من رمضان يحمل في طياته إمكانية العتق والمغفرة وتبديل الحال. لا أحد يعلم أي ليلة تكون نقطة التحول في حياته، وأي دعوة تكون مفتاح الفرج، وأي توبة تمحو أثر سنين.
لذلك كان التفريط في البقية خسارة مضاعفة؛ لأنها ليست مجرد أيام، بل احتمالات مفتوحة للرحمة.
ومن يدري، لعل هذا الثلث هو أجمل ما في الشهر، ولعل نهايته تكون أبهى من بدايته.
مضى الثلث.. نعم، لكنه لم يمضِ عبثًا. ترك لنا درسًا في سرعة الأيام، وفي ضرورة اليقظة، وفي أن العمر أقصر مما نظن. والثلث كثير.. كثير لمن قرر أن يبدأ الآن، لا غدًا؛ كثير لمن جعل من كل يوم فرصة مستقلة، لا رقمًا عابرًا في تقويم. فليكن ما بقي بداية جديدة، لا امتدادًا فاتِرًا لما سبق.
وليكن شعارنا أن نختم أفضل مما بدأنا، وأن نخرج من رمضان بقلوب أخفّ ذنبًا، وأقرب عهدًا، وأصدق توجهًا.
إنها أيام معدودة، لكنها تصنع أعمارًا كاملة. فمن أحسن اغتنام ما تبقى، كتب لنفسه صفحة مضيئة لا تمحوها الأيام. ومن أدرك قيمة البقية، أدرك أن الثلث كثير..
بل كثير جدًا، إذا امتلأ بالنية الصادقة والعمل الصالح والرجاء الذي لا ينقطع.