سلمان بن محمد العُمري
حب الوطن ليس مجرد عاطفة تجيش في الصدور، أو كلمات تُقال في المحافل، بل هو واجب شرعي حث عليه الدين الحنيف، وضرورة وطنية تفرضها وحدة المصير، وإن استقرار الأوطان هو الركيزة التي تقوم عليها المصالح الدينية والدنيوية، وبدونه تضطرب الحياة وتتعطل التنمية.
تتجلى محبة الوطن الحقيقية في المحافظة على مقدراته ومكتسباته وأمنه واستقراراه، إن كل منشأة، وكل مشروع تنموي، وكل شبر من أرض الوطن هو ملك للأجيال، والحفاظ عليه جزء من الأمانة، وهذا يتطلب منا اليقظة الدائمة والتصدي لكل فاسد ومارق ومخادع يهدف إلى شق الصف وتفريق الجماعة.
التأمل في أحوال العالم من حولنا كفيل بأن يوقظ القلوب الغافلة، فانظروا من حولنا من البلدان ممن أصيبوا بالفواجع وتقلب الأحوال ودورات الزمن وتقلبه؛ كيف تحولت مدنهم العامرة إلى ركام، وكيف استُبدل استقرارهم بتهجير، وطمأنينتهم بقلق دائم. هذه المشاهد ليست مجرد أخبار عابرة، بل هي دروس بليغة تخبرنا بأن دوام الحال من المحال، وأن الحفاظ على ما نحن فيه من أمن يتطلب وعياً واستشعاراً للمسؤولية.
إن استشعار هذه النعم يستوجب منا أن نعزز إيماننا بالله عز وجل، فهو مسبغ النعم ومثبتها، ولاستمرار هذا الرخاء، علينا شكر المنعم، فالشكر ليس مجرد كلمة باللسان، بل هو اعتراف بالفضل واستعمال للنعم في طاعة الله؛ {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}، ثم الحرص على الوحدة، فإن تماسك الجبهة الداخلية والالتفاف حول القيادة ووحدة الصف هي الدرع الأول في وجه الفتن، وأن نحرص كل الحرص على استمرار النعم ودوامها بالبعد عما ينغص أمننا ووحدتنا، سواء كانت أفكاراً هدامة، أو إشاعات مغرضة، أو سلوكيات تزرع الشقاق بين أبناء الوطن الواحد.
ومع الطفرة التقنية وانتشار وسائط التواصل الاجتماعي، لم تعد الحروب تقتصر على الميادين التقليدية، بل انتقلت إلى الشاشات والهواتف، لقد لجأ أهل الفساد والتخريب لهذه الوسائل لبث سمومهم، ونشر الشائعات، وتحريض الشباب، وتشويه الحقائق.
الواجب علينا تجاه هذه الوسائل: الحذر الشديد، وعدم الانسياق خلف المعرفات المجهولة أو الأخبار غير الموثوقة، وكشف أساليب هؤلاء المفسدين وتوعية المجتمع بخطرهم، والمحافظة على سلامة المجتمع بحماية عقول الشباب من الأفكار المنحرفة التي تعكر صفو الوحدة الوطنية.
إن العاقل هو من اتعظ بغيره؛ ولنا في الدول الأخرى التي مرت بمحن وفتن عبرة وعظة، فبمجرد أن اضطرب الأمن فيها، تبدلت النعمة نقمة، وحل الخوف محل الطمأنينة، وضاعت المكتسبات في سنوات قليلة، وإن ما جرى لتلك المجتمعات يؤكد أن الأمن هو «التاج» الذي يجب أن نحميه بكل ما أوتينا من قوة، وأن أي تهاون في مواجهة دعاة الفتنة قد يؤدي إلى عواقب وخيمة.
نحن نعيش الأمن والطمأنينة، فعلينا أن نبذل كل ما نستطيع حفاظاً على مكتسباتنا الدينية والدنيوية والحذر من المفسدين والمرجفين ومن التهاون في نقل الأخبار ونشرها في أجهزة الاتصال الحديثة، فكل ما يصل من هذه الأخبار دون زيادة أو نقصان إن لم تكن مغلوطة في أساسها ومكذوبة في نشأتها الهدف منها الإساءة للبلاد والإضرار بها اقتصادياً أو اجتماعياً أو أمنياً.