د. رنا بنت عبدالله الغامدي
رنّ المنبّه عند الثانية والنصف فجراً. لم يكن موعد رحلةٍ ولا استعداداً لسفر، بل موعد الإمساك في رمضان، في مدينة بريطانية هادئة اسمها كولشستر. في ذلك الركن البعيد من العالم، كنت أبدأ يومي بينما المدينة ما تزال تغطّ في نومها، وأتهيأ لساعات صيام تمتد حتى التاسعة والثلث مساءً، في نهارٍ يكاد لا ينتهي من نهارات يونيو الطويلة.
المسافة بين مكة المكرمة وكولشستر تقارب أربعة آلافٍ وثمانمائة كيلومتر؛ مسافة جغرافية يمكن قياسها على الخريطة، أما المسافة النفسية فكانت أوسع وأعمق: غربة، مسؤولية أمومة، ضغط أكاديمي، ومتطلبات بحث لا تعرف التوقف في بيئة تختلف عن كل ما اعتدت عليه.
كنت أستيقظ قبل الفجر بقليل، أرتشف كوب ماء على عجل، أؤدي الصلاة، ثم أعود إلى النوم لساعات متقطعة أقتنصها استعداداً ليوم طويل في المعمل. في سنتي الأخيرة من الابتعاث، تزامن رمضان مع شهر يونيو، حيث تطول ساعات النهار حتى تكاد الشمس لا تغيب. أكثر من ثماني عشرة ساعة من الصيام، تتخللها تجارب مخبرية دقيقة في جامعة إسكس، تتطلب تركيزاً عالياً، وخطوات معقدة، ووقوفاً متواصلاً. الخلايا التي أعمل عليها لا تؤجل انقسامها لأن الباحثة صائمة، وأجهزة المختبر لا تعترف بالإرهاق. كان عليّ أن أكون في أعلى درجات التركيز، حتى وأنا أعدّ الساعات المتبقية على أذان المغرب.
في أحد تلك الأيام، قرر مشرفي الدراسي فليب أن يجرب الصيام تضامناً معي. قال ضاحكاً إنه يريد أن يعرف كيف أعمل طوال هذه الساعات دون ماء أو قهوة. مرّت الساعات الأولى بهدوء، ثم بدأ التعب يتسلل إلى صوته. عند الظهيرة اختفى قليلاً، وعاد يحمل كوبين من القهوة (هذه النوادر التي لم تتكرر، أن يشتري لي قهوة على حسابه) ومدّ أحدهما نحوي قائلاً: حان وقت القهوة يا رنا.
ابتسمت وقلت: فليب، هل نسيت؟ أنا صائمة.
توقف لحظة وقال بدهشة صادقة: صيام حتى عن القهوة؟!
أجبته وأنا أحاول تجاهل رائحة القهوة المنعشة: حتى القهوة. الصيام امتناع تام عن الأكل والشرب.
نظر إلى الكوب، ثم إليّ، وضحك قائلاً: أنا منسحب رسمياً. لا أستطيع أن أفعلها. كيف يمكن لإنسان أن يعمل بهذه الكفاءة دون ماء أو قهوة طوال هذا الوقت؟ رنا، أنتِ امرأة خارقة.
ابتسمت، ولم أشعر أن في الأمر بطولة.
أمور نعدّها في موروثنا الديني والثقافي بديهية، بدت له وكأنها إنجاز استثنائي. كثير من الزملاء والزميلات البريطانيين كانوا يرون فيّ سوبر وومن: أمّاً لثلاثة أطفال في مدارسهم، تعيش بعيداً عن أهلها، تصوم ثماني عشرة ساعة، وتنجز أبحاثاً في التقنيات الحيوية بدقة، وتحضر إلى الجامعة كل يوم بابتسامة لا تشكو ولا تتذمر. تساءلت بيني وبين نفسي: هل هذه فعلاً قدرات خارقة؟ لم أشعر يوماً أنني أملك قدرات استثنائية، بل كنت أقوم بما أراه واجباً. كنت أرى نفسي ممثلة لصورة أكبر، سفيرة لكل امرأة سعودية تؤمن أن طلب العلم طريقٌ يسلكه الطامحون، وأن الغربة محطة قاسية لكنها ضرورية لمن يريد أن يبلغ هدفاً أسمى.. لم نأتِ من حياة رفاهية، ولم نتربَّ على الاستسلام عند أول عثرة. الصعوبات كانت كثيرة، لكن الهدف كان أوضح.
شعرت بمسؤولية مضاعفة؛ مسؤولية أن أمثل بلدي بأخلاقي قبل علمي، وأن أعود بخبرة حقيقية لا بشهادة معلّقة على الجدار. ذلك الرمضان الأخير في الغربة لم يكن عن الجوع والعطش، بل عن الثبات وعن الإتقان حين لا يكون هناك من يراك ليصفق لك وعن الاستمرار رغم أن التراجع أسهل.
ولا تغيب عن الذاكرة تجمعات الإفطار وصلاة التراويح في النادي السعودي في كولشستر، حيث كنت أتشرف برئاسة القسم النسائي. هناك، في دفء الجالية الصغيرة، كنا نتقاسم الحنين والأمل، ونحمل في داخلنا طموحاً يسبق الشعارات. كنا متحمسين لرؤية المملكة 2030 والتي تم اعلانها خلال فترة ابتعاثي، لم تكن هذه الرؤية بالنسبة لنا مجرد خطة تحول وطني، بل أعطتنا دافعاً إضافياً. شعرنا أن كل ساعة تعب في الغربة تكتسب معنى أعمق.
لم نكن ندرس لننجح فقط، بل لنعود. كنا نريد أن نحزم حقائبنا ونأخذ مكاننا في وطن يتغير بسرعة، لنكون جزءاً من هذا التحول. لم نكن نخشى العودة، بل نتشوق إليها، لأن لدينا ما نعود إليه: وطن يتحرك، وفرص تتسع، ومساحة تنتظر أبناءها وبناتها.
واليوم، بعد مضي ما يقارب التسع سنوات على ذلك الرمضان الأخير في كولشستر، أكتب هذه السطور وأنا في نعيم وطني ودفء أهلي.
أدرك أن تلك الأيام لم تكن مجرد مرحلة او محطة زمنية عابرة، بل كانت درساً عميقاً في القيادة الشخصية. الغربة علمتني أن أصنع الحلول بدلاً من البحث عن الأعذار، وأن أفكر بعمق قبل اتخاذ القرار، وأن أقود بهدوء في أكثر الظروف ضغطاً، وأن أكون مواطنة عالمية افتخر بهويتي الاسلامية وبجذوري السعودية الراسخة..
لم يكن ذلك الرمضان نهاية قصة، بل بداية وعي جديد. عدت وأنا أعلم أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق براحة الطريق، بل بالالتزام به، وأن الوطن الذي وثق بنا يستحق أن نعود إليه أقوى، وأكثر نضجاً، لأن المستقبل يُصنع بأيدٍ ذاقت مرارة الصبر قبل أن تتذوق حلاوة النجاح.
** **
- الأستاذ المشارك بجامعة الملك عبدالعزيز