صالح الشادي
منذ أن شحذ إنسان ما قبل التاريخ حجراً ليصنع أول رمح، ظلت العلاقة جدلية بين الإنسان وأدوات العنف التي ابتكرها، فلم تكن الحروب الكبرى مجرد صراعات على الأرض أو السلطة، بل كانت مختبرات ضخمة لتسريع التطور التكنولوجي، وهو تطور لم يغير وحده طريقة القتل، بل أعاد تشكيل نسيج المجتمعات المدنية ومفاهيمها عن البطولة والفردية والسلطة.
في البداية، كان السيف والرمح يمثلان امتداداً للعضلة البشرية، حيث كانت الحرب وجهاً لوجه تعتمد على البطولة الفردية، والمجتمع الإقطاعي قام على هذه المعادلة التي جعلت الفارس المدرع وحده من يملك أدوات العنف، فكان السيف رمزاً للمكانة والنبل يحفظ توازنات السلطة لقرون، والمدنيون مجرد ظل بعيد للمعارك.
ومع دخول البارود، حدث انقلاب مزدوج، ففي أوروبا فرضت البندقية نموذج الجيش المنضبط الذي يطيع الدولة المركزية، حيث أمكن تدريب جيوش كاملة في شهور على إطلاق النار الجماعي، مما عزز سلطة الدولة الحديثة. لكن على الجانب الآخر من الأطلسي، عززت البندقية الفردانية الأمريكية، فصارت حيازتها في التعديل الثاني للدستور ضمانة للحريات الفردية ضد تجاوزات السلطة، لنرى كيف تنتج التقنية نفسها تأثيرات مختلفة وفق السياق.
ومع التصنيع العسكري في القرن العشرين، تحول الجندي إلى ترس في ماكينة موت جماعي، فالمدافع الرشاقة والدبابات جعلت الحرب جحيماً من طين وخنادق. لكن التحول الأكبر جاء مع نهاية الحرب العالمية الثانية، حين ألقيت القنبلة الذرية على هيروشيما وناكازاكي، لتثبت أن البشرية صارت قادرة على إبادة نفسها بلحظة. هنا تغير كل شيء: لم يعد الانتصار العسكري هدفاً بقدر ما أصبح الردع النووي هو المعادلة الحاكمة، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات جعلت أي بقعة على الأرض في مرمى النيران، فتحول العالم كله إلى رهينة لقرارات قلة.
الأسوأ كان انتقال الحرب إلى المدن نفسها، فالإحصاءات صادمة: من 5 % ضحايا مدنيين فقط في الحرب العالمية الأولى، قفزت النسبة إلى 50 % في الثانية، ثم 80 % في كوريا، وصولاً إلى 90 % في فيتنام. لم يعد هناك «جبهة داخلية» آمنة، بل كل الأراضي ساحة معركة محتملة، والصواريخ الباليستية اختصرت الزمن وجعلت الإبادة الفورية ممكنة.
مع نهاية الحرب الباردة، بدأ عصر الصواريخ الذكية والطائرات دون طيار، حيث صار ضرب أي هدف ممكناً من غرفة تحكم على بعد آلاف الكيلومترات. وهنا الخطر النفسي الأكبر: حين تغيب التكلفة البشرية عن الأنظار، يصبح المجتمع أقل اكتراثاً بخوض الحروب، والتباعد العاطفي عن ساحة المعركة يخلق واقعاً سياسياً خطيراً يمكن معه شن حروب دون معارضة شعبية.
وأخيراً، نقف على أعتاب التحول الأعمق مع الذكاء الاصطناعي، فبعد أن كان السلاح مجرد أداة طائعة للإرادة البشرية، ها هو ذا سلاح قادر على تحديد الأهداف واتخاذ قرار القتل دون تدخل بشري.
هنا تثار أسئلة وجودية عن المسؤولية الأخلاقية حين تخطئ الآلة، وإلى أي مدى يمكن للمجتمعات أن تظل آمنة إذا أصبحت آلة القتل خارجة عن سيطرة صانعها. كلما تطور السلاح ازدادت المسافة بين الفعل والنتيجة وبين الجاني والمجني عليه، مما يهدد بتآكل المعايير الأخلاقية ويجعل الحرب أسهل والمجتمعات أكثر هشاشة.
يبقى السؤال: هل تستطيع المجتمعات العالمية بقوانينها وأخلاقها أن تلحق بسرعة تطور ما صنعت أيديها؟