د. أنس عضيبات
في زمن تتسارع فيه التكنولوجيا بوتيرة غير مسبوقة، يواجه الشباب تحديًا جديدًا لم يكن حاضرًا في أذهان الأجيال السابقة: البطالة الرقمية، لم تعد المشكلة مقتصرة على نقص الفرص التقليدية، بل أصبحت مرتبطة بقدرة الذكاء الاصطناعي والروبوتات على أداء مهام كانت يومًا حكرًا على الإنسان، مما يثير أسئلة جوهرية حول مستقبل العمل والعدالة الاجتماعية. لقد غيَّرت الثورة الرقمية طبيعة الوظائف بشكل جذري، فالمهام الروتينية والإدارية، وحتى بعض الأعمال الإبداعية، باتت تُنجز بواسطة أنظمة ذكية أكثر سرعة ودقة، وهذا التحول أدى إلى تقلّص الطلب على العمالة البشرية في قطاعات واسعة، وخلق فجوة بين مهارات الشباب المتخرّجين من الجامعات ومتطلبات السوق الجديد.
واليوم يجد الشباب أنفسهم أمام واقع معقد: شهادات جامعية لا تضمن وظيفة، ومهارات تقليدية لم تعد كافية كثيرون يشعرون بأنهم خارج اللعبة، وأن التكنولوجيا تسحب البساط من تحت أقدامهم، وهذه الحالة تولّد إحباطًا نفسيًا واجتماعيًا، وتزيد من معدلات البطالة التي تتحول تدريجيًا إلى أزمة وجودية.
لا تقف البطالة الرقمية عند حدود الفرد، بل تمتد لتؤثر على المجتمع بأسره، فهي تضعف الطبقة الوسطى، وتزيد من الفوارق الاقتصادية، وتخلق حالة من عدم الاستقرار الاجتماعي كما أن فقدان الشباب لفرص العمل ينعكس على معدلات الزواج، الاستهلاك، وحتى المشاركة السياسية، مما يهدد التوازن الاجتماعي.
أمام هذا الواقع، يصبح من الضروري إعادة صياغة مفهوم التعليم والتدريب، ولا يكفي أن نُخرّج طلابًا يحملون شهادات، بل يجب أن نزوّدهم بمهارات رقمية، وقدرة على التكيّف مع بيئة عمل متغيّرة باستمرار، كما أن السياسات الحكومية مطالبة بابتكار حلول جديدة، مثل دعم ريادة الأعمال الرقمية، وتوفير برامج لإعادة تأهيل العاملين.
البطالة الرقمية ليست قدرًا محتومًا، بل تحديًا يمكن تحويله إلى فرصة إذا ما أُحسن التعامل معه فالتكنولوجيا، رغم ما تسببه من إزاحة للوظائف، تفتح أبوابًا جديدة لمهن لم تكن موجودة من قبل، والمطلوب هو رؤية شاملة تستثمر في الإنسان بقدر ما تستثمر في الآلة، لضمان أن يكون الشباب شركاء في المستقبل لا ضحايا له.