باسم سلامة القليطي
يُمثل الأمن حجر الزاوية الذي تتكئ عليه تفاصيل حياتنا، فلا عبادة تُقام بطمأنينة، ولا تنمية تزدهر، ولا كرامة تُصان في غياب الاستقرار. إن استشعار هذه النعمة وسط عالم يضجّ بالصراعات ليس مجرد شعور عابر، بل هو التزام إيماني وأخلاقي، فالأمن لا يدوم إلا بالشكر، ولا ينمو إلا بالامتنان، وهو ما لخصه البيان الإلهي في قوله تعالى: (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ). الشكر هنا هو «صمام أمان» يستوجب منا رعاية هذه النعمة بسلوكنا ومواقفنا قبل كلماتنا.
في هذا العصر الرقمي المتسارع، أصبحت «الكلمة» عابرة للقارات في ثوانٍ، مما يضاعف مسؤوليتنا تجاه ما ننشر. إن التسرع في تناقل الأخبار دون تثبت ليس مجرد خطأ إعلامي، بل هو منزلق أخلاقي حذرنا منه النبي- صلى الله عليه وسلم- بقوله: (كَفَى بالمَرْءِ كَذِبًا أنْ يُحَدِّثَ بكُلِّ ما سَمِعَ). الوعي الحقيقي يبدأ حين ندرك أن «ليس كل ما يُعرف يُقال»، وأن الصمت عن خبر مشكوك فيه هو مساهمة حقيقية في حماية السلم المجتمعي من سموم الشائعات، فالكلمة أمانة، والحذر واجب.
تغصّ المجالس الافتراضية والواقعية أحيانا بتحليلات عشوائية لأزمات أمنية أو سياسية معقدة، وهو خوضٌ يشتت الجهود ويوتر الأجواء بلا طائل.
إن من كمال رقيّ المسلم وفهمه العميق لدوره أن يترك تفاصيل هذه الملفات لأهل الاختصاص ومن ولاه الله الأمر، التزاماً بالتوجيه النبوي: (مِن حُسْنِ إسلامِ المرءِ تَرْكُه ما لا يَعْنِيه). فالثقة بمؤسسات الدولة وترك الأمور لذوي الشأن هو المسار الأسلم لضمان وحدة الصف وعدم تشتيت الانتباه العام في مهاترات جانبية.
لقد تحولت عدسات الهواتف أحيانا إلى أدوات تخدم العدو من حيث لا يشعر أصحابها؛ فتوثيق الأحداث الأمنية أو تداول مقاطعها يصب مباشرة في مصلحة المتربصين. هذا السلوك يساهم في «الإرجاف» وإشاعة الرعب، ويعطي العدو معلومات مجانية عن التحركات الميدانية. إن حماية أمننا تتطلب انضباطا ذاتيا، فالمواطن الواعي يدرك أن عدسته يجب أن تكون للبناء والجمال، لا وسيلة لزعزعة الاستقرار أو كشف الثغرات التي تضر بمصالح البلاد والعباد.
بينما نبذل الغالي والنفيس في سبيل رفعة هذا الوطن، نلوذ بالدعاء لكونه السلاح الأقوى والصلة الأوثق بخالقنا سبحانه وتعالى. إننا نرفع الأكف تضرعاً أن يحفظ الله قيادتنا الرشيدة وبلادنا العزيزة، وأن يديم على السعودية عزها وقوتها ومنعتها. ونسأله سبحانه أن يحفظ لبلادنا ولسائر بلاد المسلمين الأمن والطمأنينة، فالدعاء بظهر الغيب للوطن وولاة أمره هو تعبير صادق عن الانتماء، وإقرار بأن الحفظ والتوفيق بيد الله وحده أولاً وآخراً.
ختاما، تحية إجلال لجنودنا الأبطال الذين يذودون بصدورهم عن حياض الوطن، مرابطين في الثغور لكي ننام نحن في أمن وسلام، إن أقل الواجب تجاههم هو مساندتهم بوعينا، والدعاء لهم بأن يسدد الله رأيهم ورميهم، ويجزينا وإياهم خير الجزاء. إن استقرارنا هو ثمرة تكاتف بين قيادة حكيمة، وجنود مخلصين، وشعب واعٍ يدرك أن أمن المملكة هو أغلى ما نملك، والحفاظ عليه عهدٌ غليظ في عنق كل واحد منا.