د. ناهد باشطح
فاصلة:
«ومن يتوكل على الله فهو حسبه»
-سورة الطلاق آية 3-
*****
كل الذي كان في ذاكرتي ما اختزنته وجيلي من مناهجنا الدراسية عن ثقافة دينية لم نكتشف عمقها، ولطالما توقفت عند أسماء الله الحسنى والتي كنا نحاول حفظها ونحن على مقاعد الدراسة دون أي التفات لعلاقتها في حياتنا.
ولما تأملت في تفسير قوله تعالي {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها}
والفرق بين أن ندعو الله باسمائه وبين أن نناديه مثل قوله تعالى عن زكريا {إذ نادى ربه نداء خفيا} لم يدعوه بل ناداه والفرق بين الدعاء والنداء في القرآن الكريم أننا في الدعاء يكون بالرفع والخفض والطلب، أما في النداء فنحن نشكو الى الله بصوت منخفض لأنه قريب .
وقد عرفت وأدركت وتعلمت أن لكل اسم من أسماء الله الحسنى معنىً معيناً نستطيع ترديده باستشعار وجوده في حياتنا وندعوه به لتحقيق ما نريد، أقول ذلك عن تجارب مررت بها وليس تنظيرا حول أسماء الله ومعانيها واستشعارها.
لقد عرفت معنى ترديد أسماء عدة، مثل: الحميد، للتفريق بين الحمد والشكر، واسم الله الواسع للشعور بالوفرة واتساع الرزق، واسم الله اللطيف لتحقيق اليسر في حياتنا وفتح الأبواب المغلقة بلطفه سبحانه وتعالى، كنت ألزم اسما بعد آخر أبحث وأقرأ في معناه، ثم أفعّله في حياتي بترديدٍ واستشعار في المواقف.
ولنتحدث عن اسم الله (الوكيل) مثلا، و الذي يتجلى في أمثلة عدة، لعل أبرزها في حياتنا حينما يطلب الانسان وظيفة ، وهنا سؤال ملح حين البحث… أين يكون القلب؟
ما أن يقرر أحدهم التقدم لوظيفة حتى يبدأ بالسؤال:
“هل تعرف فلانًا يزكيني ؟”
“هل عندك واسطة؟”
السعي المشروع هو تحسين السيرة الذاتية، تطوير المهارات، طلب التوصيات، ولكن التعلق بان الواسطة هي التي ستجلب الوظيفة يتنافى مع السعي المرتبط باليقين بالله.
وتبدأ الاشكالية حين يتحول السؤال من “كيف أسعى؟” إلى “من يملك رزقي؟”
هنا ينتقل القلب دون أن يشعر صاحبه من التوكل على الله إلى التعلّق بالناس.
وهنا يمكن أن يساعدنا الدعاء باسم الله الوكيل، وفهم معنى اليقين وحسن التوكل عليه وحده.
عندما قال الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم للرجل الذي ترك ناقته بلا رباط متوكلًا: “اعقلها وتوكل”، لم يكن يُعلّمنا مجرد تصرفٍ عابر، بل كان يؤسس منهج حياة.
اربط الناقة…
ثم توكل، فوّض الامر كله لله
اسعَ بكل طاقتك…
ثم لا تقلق، وارضَ بالنتيجة.
لو ضاع الهدف بعد أن سعيت، لن ينهدم يقينك.
ولو تحقق الهدف، لم تنسب الفضل إلى شيء دون الله.
هذا هو التوازن الذي نفتقده حين نُفرط في الاعتماد على الأسباب.
الشاب الذي يرسل سيرته الذاتية هنا وهناك، ويتنقل بين المقابلات، إن كان قلبه متعلقًا بالناس «واسطة او تزكية» عاش قلقًا، أما إن كان قلبه متعلقًا بالله، فإنه يسعى بهدوء، وينام مطمئنًا، لأنه يعلم أن رزقه لن يأخذه غيره، وأن ما كُتب له سيأتيه في وقته.
التوكل هو تفويض الامر لله باستشعار وقناعة لا تجعلك تفكر حتى في الأحداث التي تزعجك لأنك مؤمن بتدابير الله، وأن كل ما يحدث هي إرادة الله وليس أحداً من خلقه، الأمر يستحق أن تدرب نفسك على التوكل لتطمئن إلى أقدارك.