ناهد الأغا
في مساء يجمع الفكر بالحوار، وتنبض فيه روح الثقافة والإبداع، انطلق اللقاء الأول من سلسلة «الرياض ما عقبها» ليكون بداية لسلسلة نوعية من خلالها نستعيد ذاكرة العاصمة الرياض عبر الأدب والوعي الثقافي..
حمل اللقاء عنوان “الرياض ما عقبها في الأدب: تتبع الأدب السعودي من الخيمة إلى العمران”، واستضاف المفكر والناقد الأدبي د. سعد البازعي، الذي أبحر بالحضور في رحلة معرفية عبر التحولات التي شهدتها الرياض، وكيف انعكست هذه التحولات على اللغة والسرد والوعي الثقافي..
ما ميز هذه البداية هو الجو الثقافي الغني، حيث امتزج الحوار بالفكر، والنقد بالمعرفة، لتشكل هذه الأمسية مساحة حقيقية لتبادل الأفكار، وتعميق فهم الحضور للمدن، والتاريخ، والأدب..
كنت في الصف الأول أدون ملاحظاتي في ذاكرتي لكنني منذ اللحظة الأولى عرفت أن هذا اللقاء سيكون مختلفاً، ليس لأنه يحمل اسماً كبيراً، ولا لأن المتحدث ناقد بحجم الدكتور البازعي، بل لأن السؤال الذي يطرحه يمس كل واحد في في بيت الثقافة، لربما كلنا سألنا أنفسنا هذا السؤال ذات ليلة، ونحن نقف على سطح منزلنا ننظر إلى أضواء المدينة الممتدة بلا نهاية..
الرياض ما عقبها
وقفت أتأمل المشهد: عن ثلاثين عاماً قضيتها في العاصمة الرياض، وقد رأيت فيها من التحولات ما يجعل الرأس يدور لكنني في تلك اللحظة، ادرك الدور الحقيقي للأدب ليس أن يحفظ الماضي فقط، بل أن يخلق جسوراً بين من عاشوا الماضي ومن سيصنعون المستقبل، وفي الحقيقة عندما عدت إلى بيتي بعد انتهاء هذا اللقاء المفعم بالجمال.
جلست أكتب
ولا أعرف لماذا أكتب، ربما لأن الكتابة هي الطريقة الوحيدة التي أعرفها لأجعل الأشياء تبقى وكلما كتبت عن الرياض، أشعر أنني أمد عمرها في داخلي، وأسأل: لماذا نكتب عن المدينة؟ لأن الكتابة عن مدينة هي، في النهاية، كتابة عن الذات، عندما يصف كاتب شارعاً في الرياض، فهو يصف ذاكرته هو في هذا الشارع، عندما يكتب عن حي قديم، هو يكتب عن طفولته أو شبابه أو لحظة فارقة في حياته الرياض، في أدب أبنائها، هي فضاء وجداني، ولهذا، كل كاتب يكتب عن رياض مختلفة، رياض جيل الثمانينات غير رياض جيل الألفية وهذه التعددية هي ثراء الرياض، فالخيمة تمثل كل ما هو قديم: البساطة، القرب، العلاقات الإنسانية المباشرة، الحياة على مهل، والعمران يمثل كل ما هو جديد: التعقيد، السرعة، الفردية، الحياة التي تجري بلا توقف، بين هذين القطبين، تتحرك شخصيات الروايات، وتعيش مشاعرها ،ولهذا، الكتابة عن الرياض هي مسؤولية ،مسؤولية توثيق مرحلة فريدة في تاريخ المدينة، مرحلة التحول الكبير ،ومسؤولية التقاط التفاصيل.
وفي الأدب السعودي لها حضور دائم، متجدد، هي المكان الذي يبحث عن لغته، واللغة التي تبحث عن مكانها هي الحلم الذي يصحو كل يوم على واقع جديد، والواقع الذي يحلم كل ليلة بمستقبل أجمل الأدب، في النهاية، هو الحارس الأمين لهذه الذاكرة الذي يحفظ تفاصيل المدينة ويعيد بناء الخيمة عندما يطغى العمران هو الذي يذكرنا بأن المدن العظيمة، قبل أن تكون حجراً وزجاجاً، كانت أحلاماً وكلمات..
ثلاثون عاماً من العشق الصامت، ربما لم أخبر أحداً بكل المشاعر التي لاتكفي الكلمات أن عبر عنها،أكتب لأن الرياض تستحق أن تُكتب.. والآن، وأنا أكتب هذه الكلمات، أدرك أن اللقاء لم ينتهِ، هو مستمر في داخلي، في كل مرة أمر فيها بحي قديم، في كل مرة أشم فيها رائحة المطر على تراب الرياض، في كل مرة أرى فيها غروب الشمس خلف أبراجها، سأعود إلى تلك الأمسية، واتذكر الدكتور البازعي وهو يقرأ لنا جزءاً من رواية القديرة بدرية البشر.. ثلاثون عاماً وأكثر ، وها أنذا ما زلت أكتشف الرياض من جديد، كل لقاء ثقافي يكشف لي وجهاً جديداً لها، كل كتاب أقرأه يضيف طبقة جديدة لصورتها في داخلي ،كل إنسان ألتقيه يحمل معه رياضاً لا يعرفها سواه.. لهذا أكتب.. لأقول إن الرياض هي ألف مدينة في مدينة، هي مدينة كل من عاش فيها وهي أجمل ما تكون حين تتعدد، وحين تتحول من مكان جغرافي إلى فضاء روحي، تسكنه الأحلام والذكريات والحكايات.
الرياض ماسة في عنقي لاتغيب
شكراً للدكتور سعد البازعي الذي فتح لنا نوافذ جديدة، وشكراً لبيت الثقافة الذي يجعل من الأسئلة الكبرى مساحة للقاء.
وشكراً لكل مثقف في تلك القاعة، حمل معه جزءاً من الرياض، وترك جزءاً آخر هناك.
الرياض ما عقبها؟