منصور بن صالح العُمري
ليس أخطر ما يمرّ على مجتمعاتنا أن يضعف اقتصادها،
ولا أن تقلّ مواردها،
بل أن يخفت صوت القرآن في السلوك وإن ظلّ عاليًا في التلاوة.
نقرأ قوله تعالى:
{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}
ثم نمضي إلى حياتنا متخاصمين،
متجافين، نشدّد في الحقوق، ونقسو في المعاملة،
كأن الهداية آية تُتلى.. لا منهجًا يُعاش.
القرآن لم ينزل ليُجمل الأصوات،
بل ليُهذّب النفوس،
وليبني إنسانًا إذا غضب عدل،
وإذا قدر عفا،
وإذا خُيّر بين حقه ورضا ربه اختار الأعلى.
{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}
ليست آيةً مثالية بعيدة عن الواقع،
بل وصفة نجاة للمجتمعات المتعبة،
لبيوتٍ امتلأت صمتًا جارحًا،
ولقلوبٍ تكدّست فيها الخصومات.
كم بيتٍ تهدّم لا لفقرٍ ولا لغياب حب،
بل لغياب القول الطيب؟
{وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً}
كلمةٌ لو أُخذت بجدّها
لأُغلقت بها أبواب محاكم،
واستُعيدت بها مودة،
وانطفأت بها نيران قطيعة.
القرآن لا يعزل الإنسان عن الناس،
بل يُنقّيه وهو بينهم،
يُعلّمه أن القرب الحقيقي
ليس في المسافة
بل في الرحمة.
{وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}
فما أوجع أن نرفع أجنحتنا كِبرًا
وننسى أن الخفض عبادة.
إذا أردنا مجتمعًا مستقيمًا،
فلن يبدأ الأمر بالشعارات،
بل بنفسٍ تقف كل مساء أمام هذه الآية: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ}
وتسأل:
كيف كنتُ ابنًا؟
كيف كنتُ زوجًا؟
كيف كنتُ في سائر علاقاتي؟
كيف كان القرآن في خُلقي اليوم؟
فالقرآن..
إمّا أن يكون شاهدًا لك،
أو شاهدًا عليك.
وأسعد القلوب تلك التي جعلت منه
نبضها اليومي،
لا ضيف مناسبات.
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا،
ونور بيوتنا، وحَكَمًا في خصوماتنا
واجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك.
واجعله شاهدَ عدلٍ لنا لا علينا.