محمد سليمان العنقري
بدأت أمريكا وإسرائيل حربا جوية وبحرية ضد إيران من السبت الماضي وقد صرح البيت الأبيض قائلا: «أمامنا 4 إلى 6 أسابيع للانتهاء من العمليات في إيران» وهي المدة التي أعلنها الرئيس الأمريكي ترمب من بداية العمليات العسكرية ومن ثم بدأت تصريحات عديدة تتحدث عن مدة الحرب من أطراف عديدة من أهمها طرفا الحرب فأمريكا وحليفتها إسرائيل تتحدثان عن مدة قصيرة تمتد لأسابيع أما إيران فقالت: إنها مستعدة لحرب طويلة، بينما أشارت تصريحات لسياسيين أوروبيين ان الأزمة قد تمتد لأشهر وهم في الأغلب يقصدون تداعيات الحرب أي بعد توقفها
لكن عند النظر للواقع من الناحية الاقتصادية فإن الكفة تميل لصالح أن تكون الحرب قصيرة الأمد تمتد لأسابيع قليلة.
فبداية كما هو واضح أن جميع المدد التي تذكر قصيرها وطويلها من كل الأطراف تدخل ضمن الحرب النفسية، بينما هناك واقع مختلف قد يعطي تصورا منطقيا عن مدة الحرب الأقرب، وأولها التكلفة اليومية على الجيش الأمريكي مليار دولار يوميا حسب إعلانهم كما أن الرئيس ترمب لا يميل للحروب ويعتقد أن امتلاك القوة هو لمنعها أو لكي تؤدي لاتفاق وسلم سريع، إضافة إلى أنه من غير المنطقي أن تدخل أمريكا الحرب وليس لديها تصور لمدتها وتقدير لتكلفتها خصوصا أن صلاحية الرئيس في مثل هذا النوع من العمليات تمتد إلى 60 يوما ولذلك يفترض أن تكون الخطة لتحقيق أهدافهم منها ضمن هذه المدة وإلا سيواجه أزمة مع الكونجرس لتمديد العمليات العسكرية، كما يرى ترمب أن عقد الصفقات يؤدي لتحقيق المصلحة من أي خلاف سياسي.
لذلك استخدامه للقوة لمدد قصيرة عند الحاجة يبدو أنه يسرع بعقد اتفاقيات غير مشروطة من الطرف الآخر حسب ما يعتقد.
وهنا لا بد من التذكير أن لديه انتخابات نصفية للكونجرس في نوفمبر القادم وهو ما يستدعي بالضرورة أن تكون حالة الاقتصاد جيدة وألا يكون هناك خسائر اقتصادية تؤثر في الناخب الأمريكي وبشرية كبيرة في الجيش ستضعف شعبيته وكذلك مرشحو الحزب الجمهوري في الانتخابات القادمة والتي إذا رجحت الكفة للديمقراطيين فيتحول الرئيس لبطة عرجاء حتى نهاية ولايته فتشل وتعطل أغلب قراراته كما أن ذلك سيساعد الديمقراطيين لاستعادة منصب الرئاسة من جديد.
فاستمرار الحرب لفترة طويلة عدة أشهر سيرفع من التضخم بسبب ارتفاع أسعار النفط والشحن البحري لأنه سيؤثر على واردات أمريكا من المنتجات التي تستوردها من الصين وغيرها ممن سيتأثرون بارتفاع أسعار الطاقة وبالتالي ترتفع لديهم تكلفة الإنتاج وكذلك تكاليف الشحن البحري والجوي وتبقى عيون أمريكا أيضا على منافسيها في الاقتصاد والتجارة الدولية وجذب الاستثمارات وعلى رأسهم الصين وكذلك دول الاتحاد الأوروبي ومجموعة بريكس فأي تراجع باقتصاد أمريكا سيكون في مصلحتهم على المدى البعيد لأنها ستنشغل بمعالجة ملفاتها الداخلية وهو ما سيعطيهم فرصة لتقليص حجم أمريكا بالناتج الإجمالي العالمي وإضعاف دور الدولار كعملة احتياط أولى في العالم ولذلك لدى واشنطن مهام أكبر خلال الأعوام القليلة القادمة لحل مشكلاتهم الاقتصادية وللتوصل لاتفاقيات تضمن لهم التفوق الاقتصادي وذلك خلال فترة بولاية ترمب الحالية ليتمكنوا من الانتقال لمرحلة أكثر مرونة في اقتصادهم بعيدا عن العجز التجارية الكبيرة والدين السيادي الذي يتضخم سريعا فترمب سيحاول بفترته أن يعيد التوازن للواقع المالي الأمريكي من خلال لجم الدين السيادي وخفض العجز التجاري وتعزيز الإيرادات لتقليل عجز الموازنة إضافة لعودة التصنيع لبلاده والحد من الاستيراد وزيادة الصادرات ويحتاج لسياسات لا تتماشى مع حروب طويلة كما أنه يطمح لشراكة مع الشرق الأوسط من خلال الانتقال لاستقرار وسلام دائم فيه لأن ذلك بمصلحة أمريكا ويعزز من تجارتها الخارجية وشراكاتها لتعويض مناطق أصبحت منافسة وليس شريكا لها مثل أوروبا
أما إيران فإن وضعها الاقتصادي يصعب عليها تحمل حرب مهما كانت مدتها ويعد توقف أو تراجع صادراتها من النفط تحديدا مرهقا ماليا لها خصوصا أنها واجهت الأسابيع الماضية مطالب شعبية واسعة لتحسين الواقع المعيشي بعد أعوام من العقوبات وتعد خسارتها لأبرز قياداتها إضافة للمنشآت العسكرية والمخزون من الأسلحة وتضييق الخناق عليها بحرية وصول السلع الأساسية لها عوامل تمثل ضغطا كبيرا لا يعطيها مساحة واسعة لاستمرار الحرب طويلا
وبالنسبة لإسرائيل فإن حجم خسائرها الاقتصادية كبيرة ففي كل أسبوع تصل تكلفة الحرب عليها نحو 3 مليارات دولار مع ارتفاع متوقع بتكاليف السلع وتراجع النمو الاقتصادي سيرهقها. إضافة إلى أنها دولة مجتمعها صغير ومحدودة المساحة وأي صواريخ تسقط في مدنها يكون لها أثر تدميري كبير وبما أنه مجتمع مهاجرين فيمكن أن تتأثر بنيته وهذا سيسقط حكومة متطرفة ليس لديها إلا مشاريع حروب وصدامات منذ توليها السلطة وأصبحت عبئا على المجتمع الدولي لأنها مصدر لأسباب عدم الاستقرار بالمنطقة.
أما دول العالم الكبرى اقتصاديا مثل الصين وأوروبا والهند واليابان وكوريا الجنوبية وكندا وغيرها فإن استمرار الحرب يعني ارتفاع تكاليف الطاقة وهذا سيضعف اقتصاداتها المرهقة أساسا مما يعني أنهم سيتحركون من الآن لعمل كل ما يمكن أن يوقف الحرب فتصريحات بعض سياسي الغرب عن احتمال أن تمتد الأزمة لشهور لا يعني استمرار العمليات العسكرية بالوتيرة الحالية بل قد يكون المعنى متعلقا بالتداعيات على الاقتصاد العالمي وهو ما لا يرغبون بأن يتفاقم لمرحلة تنعكس بأزمات اقتصادية كبرى عليهم.
أخيرا يبقى مسار الحرب أقرب لإنهائها قريبا مع الحذر من تطورات خارج نطاق حسابات طرفي الصراع إلا أن الواقعية التي تفرضها معطيات الاقتصاد العالمي الصعبة بعد أزمات متلاحقة منذ عام 2008 في الأزمة المالية وما جاء بعدها من أزمة الإقفال الكبير في جائحة كورونا والحرب الروسية - الأوكرانية كلها تشير إلى أن المواجهة الأمريكية -الإسرائيلية مع إيران ستكون لمدة قصيرة لكن بالتأكيد ما بعدها ليس كما قبلها من حيث التحولات بالنهج الاقتصادي الدولي والتحالفات التي ستولد بعدها من حيث خطوط التجارة الدولية وسلاسل الإمداد.