د. تنيضب الفايدي
بدر.. وما أدراك ما بدر؟ نال شرف وقوع أول غزوة على أرضه، فنسبت إليه (غزوة بدر)، وامتزجت تربتها بدم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، كما جاء ذكرها وذكر مواقعها في القرآن الكريم، قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (123) سورة آل عمران، وقال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (123) سورة آل عمران، بدر تاريخٌ عظيمٌ حيث انطلق الإسلام منها إلى أقصى أصقاع المعمورة، وسطرت على أرضها أروع ملاحم التضحية، وعلى جبالها نزلت الملائكة، وعلى رمالها مرغت أنوف الكفر والنفاق، وفي أوديتها مكث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، خرج الإسلام من هنا من الضعف إلى القوة، فحقاً يوم بدر يومٌ فاصل في تاريخ الأمة، كلما تراه تتذكر هذه الغزوة وبطولات الصحابة وتضحياتهم، وهي غنية بالكثير من المعالم والشواهد والقيم التاريخية.
موقع بدر وتسميته:
تقع بدر في وسط الجزء الغربي من وطننا الغالي في نهاية وادي الصفراء ما بين المدينة المنورة وساحل البحر الأحمر، وهو إلى الساحل أقرب، تحمل بعدًا تاريخيًا عميقاً من خلال تلك الأحداث الجليلة التي لا تنسى، شهرتها تغني عن تعريفها.
أما تسميته فتقول الروايات أن بدر سمي بهذا الاسم نسبة إلى اسم بدر بن يخلد بن النضر وهو من كنانة، وقيل من بني ضمرة، وكان هذا الرجل قد سكن هذا المكان فنسب إليه، وسمي باسمه. وقيل إن الاسم جاء انتساباً على بدر بن قريش الذي حفر بئراً في هذا المكان فسميت البئر باسمه ثم غلب الاسم على المكان وعرفت ببدر. ويقال: بدر اسم البئر التي بها سميت بذلك لاستدارتها أو لصفاء مائها، فكان البدر يُرى فيها، وعلى أيّ حال فهذه روايات مختلفة تناقلها الناس عبر التاريخ مع أن الأسماء لا تعلل.
تاريخ بدر القديم:
أشارت النقوش اللحيانية التي كتبت على واجهات جبال عكمة شمال شرقي العلا إلى موقع بدر، فقد تكرر فيها ذكره أكثر من أربع وعشرين مرة، ومن المرجح حسب المكتشفات الأثرية والتاريخية المعروفة حتى الآن أن موقع بدر في النقوش اللحيانية ربما يكون هو نفسه موقع بدر الحالي غربي المدينة المنورة. وتشير معطيات هذه النقوش إلى أن ثمة جالية لحيانية كانت تستوطن في بدر إبان ازدهار الدولة اللحيانية في منطقة دادان، وكانت على علاقة وثيقة بوطنها الأم في دادان (العلا حالياً)، فمضامين النقوش تتحدث عن قيامهم بتقديم قرابين متنوعة لمعبودهم (ذو غيبة)، وتحتوي النقوش نفسها على إشارة مهمة إلى أسباب قيام أولئك بتقديم القرابين، وأن مسوغه دَفْعُ عشور عن ممتلكاتهم في بدر التي راوحت بين النخيل والمزروعات الأخرى، وهذا ما يعزز من أن بدر كانت خلال القرون الخمسة السابقة قبل الميلاد مستوطنة عامرة ويعمها نشاط زراعي كثيف.
فضلاً عن ذلك فقد كانت بدر قبل الإسلام منهلاً من مناهل المياه على طريق التجارة إلى الشام ومحطة لقوافل قريش في رحلة الصيف إلى الشام، في ذهابها وعودتها؛ فقد كانت تلك القوافل ترد مياهها وتتزود منها للسفر، ومن المرجح أنه كانت تعقد فيها سوق مؤقتة ترتبط بأيام راحة هذه القوافل في موقع بدر.
وقد أصبحت مكاناً مشهوراً عند جميع المسلمين بعد أن وقعت على أرضها معركة بدر، حيث ذكرها جميع المؤرخين مثل الحموي والفيروزآبادي والسمهودي والعباسي وابن حجر وغيرهم، وكذا الرحالة مثل: ابن جبير، والعبدري وجلبي، والجزيري والعياشي وابن عبد السلام وغيرهم.
ولم تلبث كثيراً إلى أن تحولت إلى بلدة عامرة استفادت من موقعها على طرق الحج القادمة من الشام ومصر، وعلى طريق وادي الصفراء الذي يربط المدينة المنورة بميناء الجار، واستمر الاستيطان بها طوال فترات التاريخ الإسلامي، وكانت محل اهتمام الحكام المسلمين لوجود مآثرها الإسلامية المتعلقة بغزوة بدر.
غزوة في أرض بدر:
كانت غزوة بدر كمالاً كاكتمال البدر، وهو المكان الذي أراد الله بتدبيره وتوجيهه أن تقع فيه الغزوة، اتسعت على المكان لتشمل الأرض وتخلد قرآناً يتلى، وسلوكاً يلمس ويرى، واتسعت في الزمان لتشمل عهد المصابرة والصبر وعهد بداية الدعـوة إلى عهد القوة وانبثاق النور، بل ويتسع الزمان ليشمل آماداً لا نهاية لها إلا في تدبير وتقدير الله سبحانه، ودخلت بدر التاريخ بسبب المعركة الشهيرة ( غزوة بدر) الغزوة التي لا ينطفئ وهجها ولايخفت نورها مهما دارت الأيام، الغزوة التي فصلت بين الحق والباطل، الغزوة التي نالت شرف الزمان حيث وقعت في يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان في الشهر التاسع عشر لهجرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- أي في السنة الثانية للهجرة .
غزوة بدر لها أهمية كبيرة في التاريخ الإسلامي، فهي تاريخٌ فاصل بين الحق والباطل، وبين الإسلام والشرك، ويكفي لإظهار أهميتها أن الله سبحانه وتعالى سماها بـ(يوم الفرقان). وكانت بدر فرقاناً بين عهدين في تاريخ الحركة الإسلامية: عهد المصابرة والصبر والتجمع والانتظار، وعهد القوة والحركة والمبادأة والاندفاع، وكانت فرقاناً بين تصورين لعوامل النصر وعوامل الهزيمة وهي المعركة الأولى بين الكثرة المشركة والقلة المؤمنة؛ لتكون فرقاناً بين تصورين وتقديرين لأسباب النصر والهزيمة، ولتنتصر العقيدة القوية على الكثرة العددية وعلى الزاد والعتاد.
وكان قصده -صلى الله عليه وسلم- وقت خروجه عير قريش، لا الحرب، وكانت الحالة بين المسلمين وكفار مكة حالة حرب، وفي حالة الحرب تكون أموال العدو ودماؤهم مباحة، فكيف إذا كان جزء من هذه الأموال للمهاجرين المسلمين من أهل مكة قد استولى عليها المشركون ظلماً وعدواناً.
أما عدد الصحابة الذين كانوا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزوته إلى بدر فقد ذكر الإمام البخاري أنهم « بضعة عشر وثلاثمائة»، بينما يذكر الإمام مسلم أنهم «ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً»،في حين ذكرت المصادر أسماء ثلاثمائة وأربعين من الصحابة البدريين.
بلغ أبا سفيان خبر مسير النبي -صلى الله عليه وسلم- بأصحابه بالمدينة بقصد اعتراض قافلته واحتوائها، فبادر إلى تحويل مسارها إلى طريق الساحل، وأيضاً أرسل عمرو بن ضمضم الغفاري إلى قريش يستنفرها لإنقاذ قافلتها وأموالها.
كان وقع خبر القافلة شديداً على قريش التي اشتاظ زعماؤها غضباً، لما يرونه من امتهان للكرامة، وتعريض للمصالح الاقتصادية للأخطار، إلى جانب ما ينجم عن ذلك من انحطاط لمكانة قريش بين القبائل العربية الأخرى، ولذلك فقد سعوا إلى الخروج لمجابهة الأمر بأقصى طاقاتهم القتالية.
ولما بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- نجاة القافلة، وإصرار زعماء مكة على قتال النبي، استشار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحابه في الأمر، وقد أبدى بعض الصحابة عدم ارتياحهم لمسألة المواجهة الحربية مع قريش حيث إنهم لم يستعدوا لها، وقد أجمع قادة المهاجرين على تأييد فكرة التقدم لملاقاة العدو، وكان للمقداد بن الأسود موقف متميز، وأراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يعرف موقف الأنصار، فكان من الأنصار موقف جميل، نظم النبي -صلى الله عليه وسلم- جنده بعد ما رأى شجاعتهم واجتماعهم على الجهاد، وأعطى مصعب بن عمير اللواء الأبيض وسلم رايتين سوداوين إلى سعد بن معاذ، وعلي بن أبي طالب، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة.
نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- والمسلمون معه على أدنى ماء بدر من المشركين، واقترح سعد بن معاذ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بناء عريش له يكون مقراً لقيادته، ويأمن فيه من العدو، وكان مما قاله في اقتراحه: « يا نبي الله، ألا نبني لك عريشاً تكون فيه ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدوّنا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا، فقد تخلف عنك أقوام، ما نحن بأشد لك حباً منهم، ولو ظنّوا أنك تلقى حرباً ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك» فأثنى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- خيراً، ودعا له بالخير، ثم بنى المسلمون العريش لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- على تل مشرف على ساحة القتال، وكان معه فيه أبو بكر رضي الله عنه وكانت ثلة من شباب الأنصار بقيادة سعد بن معاذ يحرسون عريش رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
وقد منّ الله سبحانه وتعالى على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين يوم بدر بنعم كثيرة، فمن المنن التي منّ الله بها على عباده المؤمنين أنه أنزل عليهم النعاس والمطر، وذلك قبل أن يلتحموا مع أعدائهم، قال تعالى : (إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ) .
بدأ القتال بين المسلمين والمشركين بالمبارزات الفردية، فخرج من جيش المشركين عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة بن ربيعة، وابنه الوليد، وطلبوا المبارزة، فخرج لهم شباب من الأنصار قيل: هم عوف ومعوذ ابنا الحارث وعبد الله بن رواحة فسألهم عتبة: من أنتم؟ فقالوا: رهط من الأنصار. قالوا: ما لنا بكم حاجة، ثم نادى مناد يا محمد اخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال -صلى الله عليه وسلم-: « قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي» وانظروا لهذا الاختيار، كلهم من الأقربين، مع أن القتال خطير، لكن القائد وعائلته يعيشون حياة الناس تمامًا، ويتعرضون لكل مشاكل الأمة، وفي أوائل المضحين والمجاهدين. بارز حمزة شيبة فقتله، وبارز علي الوليد وقتله، وبارز عبيدة بن الحارث عتبة فضرب كل واحد منهما الآخر بضربة موجعة، فكرّ حمزة وعليّ على عتبة فقتلاه، وحملا عبيدة وأتيا به إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فعن حارثة بن مضرب عن علي قال: تقدم - يعني عتبة بن ربيعة وتبعه ابنه وأخوه، فنادى: من يبارز؟ فانتدب له شباب من الأنصار، فقال: من أنتم؟ فأخبروه، فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة بن الحارث، فأقبل حمزة إلى عتبة وأقبلت إلى شيبة واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل واحد منهما صاحبه ثم ملنا على الوليد فقتلناه، واحتملنا عبيدة. وسأل عبيدة النبي : ألست شهيداً؟ فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «أشهد أنك شهيد» ولكن ما لبث أن توفي متأثراً من جراحته وقت رجوعه بالصفراء ودفن بها.
الهجوم العام:
لما شاهد المشركون قتل الثلاثة الذين خرجوا للمبارزة، استشاطوا غضباً، وهجموا على المسلمين هجوماً عاماً، صمد وثبت له المسلمون وهم واقفون موقف الدفاع، ويرمونهم بالنبل كما أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم- وكان المسلمون يرددون: أحد.. أحد.. ثم أمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالهجوم المضاد محرضاً لهم على القتال، وقائلاً لهم: « شدوا» وواعداً من يقتل صابراً محتسباً بأن له الجنة.
وقد نزل في هذه الغزوة الملائكة لمساندة المسلمين فنزول الملائكة في بدر ثابتٌ من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، قال تعالى : ((وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125)).
الهزيمة الساحقة:
ما استطاع جيش المشركين الوقوف والصمود أمام حملات المسلمين الشديدة والمنظمة حتى بدأت علامات الاضطراب في صفوفهم، وأخذ معظمها الفرار فعمت الهزيمة، فبدأ المسلمون يأسرون فريقاً ويقتلون فريقاً، وكانت النتيجة انتصار المسلمين على المشركين تماماً، وكان قتلى المشركين سبعين رجلاً وأُسر منهم سبعون، وكان أكثرهم من قادة قريش وزعمائهم، واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلاً، منهم ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار.
و بعد أن انتهت المعركة وجمع المسلمون الأسلاب والغنائم، أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بإلقاء هؤلاء الأخباث في قليب من قلب بدر، فسحبوا إلى قليب من قلب بدر، فطرحوا فيه. وقد ورد أنه -صلى الله عليه وسلم- وقف على القتلى فقال: «بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس».
نتائج الغزوة:
- بعد غزوة بدر قويت شوكة المسلمين وأصبحوا مرهوبين في المدينة وما جاورها، وأصبح من يريد أن يغزو المدينة أو ينال من المسلمين؛ عليه أن يفكر ويفكر قبل أن يقدم على فعلته.
- ازدياد ثقة المسلمين بالله سبحانه وتعالى وبرسوله الكريم، فأصبح الإيمان بالله سبحانه وتعالى وبرسوله قوياً، كما زاد اليقين بأنهم هم الغالبون في الأخير إن شاء الله.
- دخول عدد كبير من مشركي قريش في الإسلام مثل: عمير بن وهب، وأبو عزيز بن عمير صاحب لواء المشركين يدخل الإسلام والسائب بن عبيد أسلم يوم بدر.
- رفع معنويات المسلمين المستضعفين في مكة وما جاورها، واطمأنت قلوبهم إلى أن يوم الفرج قريب، فازدادوا إيماناً على إيمانهم وثباتاً على عقيدتهم.
- ظهور المسلمين في جزيرة العرب كقوة كبيرة، وقد سبّب هذا في تفكير كثير من الناس من قريش ومن جاور المسلمين بالجدّ في أمر الإسلام، ونتج عن ذلك دخول كثير من الناس في الإسلام.
- تفتحت عيون أهل المدينة من الأوس والخزرج وأدركوا أن أمر الإسلام جد لا لعب فيه.
بعض المواقع التاريخية:
تحتضن بدر بعض المواقع التاريخية الهامة وخاصةً فيما يتعلق بالغزوة ومنها:
مسجد العريش:
هو أحد مساجد الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ورد ذكر هذا المسجد في جميع كتب المغازي وكتب التاريخ والآثار، وعدد السمهودي صاحب كتاب وفاء الوفا في أسماء مساجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسماه مسجد بدر أو مسجد العريش حيث يقول: «كان العريش الذي بني لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم بدر عنده، وهذا المسجد معروف اليوم بقرب بطن الوادي بين النخيل، والعين قريبة منه». وقد بني هذا المسجد في موقع عريش رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجدد عدة مرات وآخرها قبل عدة أعوام ووسع وأصبح من معالم مدينة بدر.
العدوة الدنيا (أبرق الحنان):
قال تعالى (إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكبُ أَسفَلَ مِنْكُمْ). والعدوة الدنيا: هي ضفة الوادي الشرقية القريبة من موقع المعركة والتي اكتنفها البنيان حالياً وتصل إلى أبرق الحنان وهو الكثيب الذي تركه النبي -صلى الله عليه وسلم- عن يمينه عند قدومه بدر. يقول الحموي : أبرق الحنان : هو ماء لبني فزارة، قالوا: سمِّي بذلك لأنه يُسمع فيه الحنينُ، فيقال: إن الجنّ فيه تحِنُّ إلى من قفل عنها، قال كثّير عزّة في حب وطنها أو جزء من وطنها:
لمن الديار بأبرق الحنَّان
فالبرقُ فالهضبات من أدمانِ
أقوت منازلُها وغير رسْمَهَا
بُعد الأنيس تعاقب الأزمانِ
وقد ورد ( أبرق الحنان ) في الشعر كثيراً حيث يتذكر الشاعر أبرق الحنان ببدر:
سل أبرق الحنان واحبس به
اين ليالينا على الأبرق
وكيف بانات بسقط اللوى
ما لم يجدها الدمع لم تورق
هل حملت لا حملت بعدنا
عنك الصبا عرفا لمستنشق
وهو لا يزال معروفاً بهذا الاسم إلى هذا العهد، وخروج بعض الأصوات تشبه (صوت الدف) نتيجة تساقط الرمال بعضها على بعض من تحريك الرياح، وقد أطلق هذا الاسم على كثير من الأمكنة ارتجالاً.. فمن الأعلام التي أطلق عليها هذا الاسم أبارقُ بينة، وأبارق بسيان، وأبارق الثمدين، وأبارقُ حقيل، وأبارق طلخام، وأبارق اللكاك، وأبارق النسر.. وغير ذلك.
العدوة القصوى:
وهي غرب بدر وبينها وبين الوادي جبال صغيرة وتسمى الآن الدكاك أو العقنقل .
مقبرة الشهداء:
الذين استشهدوا في غزوة بدر، فقد دفنهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- قرب مكان الغزوة تسمى حالياً مقبرة الشهداء .
جبل الملائكة بالجهة الغربية من بدر:
نزول الملائكة في غزوة بدر وقتالهم مع الصحابة ثابت بنصوص القرآن والسنة، أما كيفية وموقع نزولهم فلا يوجد دليلٌ ثابت على ذلك، ولكن هناك روايات تتناقل بأن الملائكة نزلت في هذا الجبل أو جاءوا من هذه الجهة.
القليب:
هو أحد الآبار المطوية الموجودة بالقرب من ساحة بدر، رمى فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قتلى مشركي مكة قبل الخروج إلى المدينة المنورة، وقد جاء في الحديث أن النبي ناداهم فرداً فرداً بأسمائهم، وهذا القليب غير معروف اليوم، لكن يظهر بأنه كان قريباً من أرض المعركة، لذلك قال البكري بقوله: (والقليب ببدر هو في العدوة الدنيا من بطن يليل إلى المدينة).
هذه مدينة بدر وبعض معالمها، كلما تراها تتذكر هذه الغزوة الفاصلة بين التوحيد والشرك، وبين الظلم والإنصاف، بين الكفر والإسلام، بين القوى الطاغية والفئة الضعيفة، ترى العدوة الدنيا والعدوة القصوى فتتذكر قوله تعالى {إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى}، ترى موقع العريش فتتذكر مناجاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واستغاثته من الله سبحانه وتسلية أبي بكر رضي الله عنه لنبيه -صلى الله عليه وسلم- (حسبك يا رسول الله)، ترى ميدان المعركة، فتتذكر بطولات وتضحيات هؤلاء الصحابة، كما تتذكر عز الإسلام بهذا النصر وذُل الكفر بهذه الغزوة فلن ينساها التاريخ الإسلامي مدى الزمان، وتتذكر قوله تعالى ( ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين )، كما تتذكر أن الملائكة قاتلوا في تراب هذه الأرض جنباً إلى جنب مع الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وعندما ترى القليب تتذكر صناديد قريش ورؤساءهم وتفننهم في إيذاء المؤمنين المستضعفين أيام مكة، ومن ثم قتل أولئك الطغاة في يوم بدر بيد هؤلاء المستضعفين ورميهم في هذا القليب.
إنه تاريخٌ مشرق وغزوتها مليئةٌ بالفوائد والعبر، تعطيك قوة وقت الضعف، وأملاً وقت اليأس، تقوّي إيمانك مع رب العالمين، وتزيد ثقتك مع الله سبحانه وتعالى، وتجدد حبّك مع دينك ونبيك وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، فعلى كل مسلم ومسلمة أن يعرف تاريخ بدر وغزوتها ونتائجها وآثارها حيث جاء المشركون لتأديب المسلمين عن جرأتهم للتعرض على قافلتهم التجارية، والمسلمون لم يكونوا على الاستعداد للدخول في معركة حربية عسكرية إلا أن الله سبحانه وتعالى أراد هذه الغزوة فدخلوا في المعركة مع قلة عددهم وعدّتهم، ولكن بالإيمان والإسلام والتوحيد هزموا المشركين أشد الهزيمة، وعلّموا التاريخ بأن مقياس الفوز والهزيمة لاينحصر على العدد والعدّة فقط، بل على قوة الإيمان بالله ورسوله وعلى دينه ( وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ) البقرة الآية (249). وهكذا أصبحت غزوة بدر بداية للأمل المشرق، وإضاءة لما يستقبل من أيام، وقاعدة لبناء العدالة لبني البشر واستشراقاً لمستقبل واعد للإسلام، ومنطلقاً للتربية والتعليم، وإضاءة أمل لا يخبو شعاعها على مرّ الأيام وتكرار الأعوام، ترتاح لاسترجاعها القلوب، ويفيء إليها الوجدان، وتفيض بذكراها المشاعر.
المراجع:
معجم البلدان للحموي، السيرة النبوية لابن هشام، المغانم المطابة للفيروزآبادي، وفاء الوفا للسمهودي، تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة للمراغي، المسالك والممالك لابن خرداذبه، أحسن التقاسيم للبشاري، الدرر الفرائد المنظمة للجزيري، نزهة المشتاق للإدريسي، البداية والنهاية لابن كثير، في شمال غرب الجزيرة تأليف: حمد الجاسر، الآثار الإسلامية في شمال غرب المملكة للدكتور علي بن إبراهيم علي حامد غبان، صيد الذاكرة الباصرة للدكتور تنيضب الفايدي، التوثيق القرآني لغزوة بدر الكبرى للأستاذ أحمد محمد شعبان، بدر التاريخ الغزوة المحافظة للدكتور تنيضب الفايدي، الخصائص الطبيعية لموقع معركة بدر للدكتور محمود بن إبراهيم الدوعان.