فائز بن سلمان الحمدي
يجيءُ رمضانُ والناسُ يتهيّأون له بما تُدركه العيون: أضواءٌ، وأسواقٌ، ومواقيتُ طعامٍ، وحركةُ بيوتٍ؛ غير أنّ رمضانَ الحقَّ لا يطرقُ الأبوابَ، بل يطرقُ القلوب. ولا يبدأُ من الهلالِ في السماء، بل من هلالٍ يولدُ في الصدر: هلالِ ندمٍ إذا صدق، ورجاءٍ إذا اشتعل، وعزمٍ إذا نهض من تحت رُكام الأعذار. وكيف لا، وهو الشهرُ الذي نادانا الله فيه نداءَ تكليفٍ مضمَّخٍ بالرحمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ... لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. كأنّ الغاية وُضِعت بين أيدينا واضحة: ليست جوعًا يُذِلُّ البدن، ولا عطشًا يُتعب الحلق، بل تقوى تُنقذ القلب.
التقوى ليست فكرةً تُتداول، بل حياة تُعاش؛ أن يكون الله حاضرًا في القرار قبل أن يحضر في اللسان، وأن تُقيم بينك وبين المعصية وقايةً، وبينك وبين الناس رحمةً، وبينك وبين نفسك عدلًا. ليست التقوى ثوبًا نرتديه في رمضان ثم نخلعه عند العيد، بل هيئةُ قلبٍ إذا استقام: يشتدّ حياؤه من الله، وتلين جوارحه لطاعته، وتسمو نيّتُه عن سفاسف الرياء، ويستحي الضمير أن يُرى الله في موضعٍ يكرهه.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يُشير إلى صدره: «التقوى هاهنا»، فكأنّها نورٌ داخليٌّ يُشعل، لا لافتةٌ خارجيّةٌ تُرفَع. ولأنّ رمضان مدرسةُ التقوى، كان تدريبًا للقلب أن يكون سيّدًا على شهوته لا عبدًا لها، ورحيمًا بضعفه لا مُقيمًا عليه سوطَ اليأس. ومن هنا نفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدّم من ذنبه»؛ فالصيام عند الله ليس امتناعًا عن المفطرات فحسب، بل إيمانٌ يُصدّق، واحتسابٌ يطلب وجه الله لا ثناء الناس. وصدقُ النيّة أوّلُ أبواب الاستقبال، فكم من عملٍ عظيمٍ في الظاهر لا يزن عند الله جناح بعوضةٍ لأنّ القلب خان، وكم من دمعةٍ في السَّحر رفعت صاحبها لأنّ القلب صدق.
ويجيءُ القرآنُ في رمضان لا زائرًا، بل صاحبَ البيت؛ فهو شهرُه الذي شرّفه الله بقوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}. والقرآن لا يطلب أصواتًا جميلة فحسب، بل قلوبًا حيّة؛ إن وجد قلبًا متواضعًا انسكبت فيه الهداية، وإن وجد قلبًا قاسيًا ارتدّت عنه كما يرتدّ الماء عن صخرةٍ صمّاء. كم من قارئٍ يقرأ ليختم، وكم من مؤمنٍ يقرأ ليبدأ حياةً أخرى؛ لأنّ القرآن إذا سكن القلب أعاد ترتيب العالم في عين صاحبه: صغَّر الدنيا، وكبَّر الآخرة، وكشف له أنّه كان يلهث خلف سراب. وأبهى الاستقبال أن يكون استقبالَ القلب؛ فالقلب ميدانُ المعارك، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة... إذا صلحت صلح الجسد كلّه». وسلامة القلب ليست ترفًا روحيًا، بل أصلُ الدين وعصبُ الأخلاق. قد يُحسن العبدُ المظاهر ويُتقن الطقوس، ثم يخسر كلّ ذلك إذا أقام قلبُه على الحسد، وتورّم بالكِبر، وتلوّث بسوء الظنّ. لذلك يخيفنا القرآن بميزانٍ لا ينخدع: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}. قلبٌ سليم لا يعني قلبًا بلا زلل، بل قلبًا لا يُصِرّ على مرضه، يعود إذا ضلّ، ويتطهّر إذا اتّسخ، ويغتسل بدمعةٍ صادقة. رمضان موسمُ سلامة الصدور: أن تدخل الشهر وقد نزعت من صدرك شوكَ الخصومات، وأطفأت نار المقارنات، وتطهّرت من لذّة الانتصار للنفس. فما قيمة صيامٍ لم يصم معه القلب عن الغِلّ، ولا أمسك فيه اللسان عن الأذى؟ أيُّ رمضانٍ ذاك الذي يُقام على الجوع ويُهدَم على جراح الخلق؟ إنّ العلوّ الحقيقي أن تسمو عن تتبّع الزلّات، وأن تستحي من الله أن تلقاه وفي صدرك حقدٌ على عبدٍ من عباده. وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من الكِبر، وأخبر أنّ مثقال الذرّة منه يحجب عن الجنة؛ لأنّ القلب إذا امتلأ بنفسه ضاق عن ربّه. ومن هنا نفهم لماذا كان الصيام مسرحًا للتقوى: يترك الصائم ما يشتهي وهو قادرٌ عليه، لا يمنعه شرطٌ ولا قانون، بل يمنعه شعورٌ داخليّ يقول: الله يراني. تلك هي التقوى في أنقاها: مراقبةٌ صامتة، وخشيةٌ حاضرة، وحياءٌ يصدّ النفس عن الدنس. فإذا أردتَ استقبال رمضان، فلا تُكثر السؤال: ماذا سأُعِدّ؟ بل اسأل: ماذا سأُصلِح؟ لا تُثقل قائمة المآدب، وخفّف أوزار القلوب: صالِح من خاصمت، ورُدّ مظلمةً إن قدرت، واقطع مادّة ذنبٍ طال أمدُه. وادخل الشهر بدعاء النبي صلى الله وسلم: «اللهم آتِ نفسي تواها، وزكِّها أنت خير من زكّاها».
أجمل استقبالٍ لرمضان أن تستقبله بقلبٍ يشتاق إلى الله شوقَ الغريق إلى اليابسة، وبروحٍ تعبت من نفسها فقرّرت أن تتوب بصدق. فإذا اشتدّ الجوع، فقل: هذا تدريبٌ على الحرية؛ وإذا أقبل الليل، فقل: هذا موعدُ لقاء؛ وإذا فاضت دمعتُك في السَّحر، فاعلم أنّ الله إذا أذن لتلك الدمعة أن تنزل، فلأنّه يريد لك أن ترتفع. هكذا يُستقبَل رمضان: بتقوى تُقيم القلب، وبسلامة صدرٍ تُطهّر الطريق، وبقرآنٍ يسكن في الداخل سكنى؛ حتى إذا انقضى الشهر لم ينقضِ أثره، وبقي فيك نورٌ يذكّرك كلما ضعفت: أنّك كنت يومًا قريبًا… وأنّ الطريق إلى القرب ما زال مفتوحًا لمن صدق.