د. علي بن عالي السعدوني
كان العطاء قديماً يشبه المطر ينزل بصمت، ويترك أثره في التراب، أمّا اليوم فصار أحياناً يشبه مؤتمراً صحفياً صغيراً: منصة، شعار، زاوية تصوير، وابتسامة محسوبة على مقاس العدسة.
صرنا نعيش زمناً يُسأل فيه المتبرع قبل أن يُسأل المحتاج: أين الكاميرا؟
فلا يكفي أن تدفع، بل يجب أن تُمسك الشيك بزاوية 45 درجة، وأن تنظر نظرة إنسانية بعيدة قليلاً عن العدسة، وكأنك تقول: أنا لا أبحث عن الشهرة فقط التقطوا هذه الصورة جيداً. أصبح للصدقة مدير إنتاج، وللوقف فريق علاقات عامة، وللسلة الغذائية بيانٌ صحفي يبدأ بـ«امتداداً لمسؤوليتنا المجتمعية»، وينتهي بـ«اللهم تقبل» مرفقة بشعار أنيق حتى الفقير المسكين قد يحتاج أحياناً إلى إذن تصوير قبل أن يستلم المساعدة!
لكن دعونا نكون منصفين الوطن الغالي لم يبنِ ثقافة العطاء على فلتر، ولم يؤسس العمل الخيري على ترند، هذه البلاد، منذ نشأتها، عرفت معنى التكافل قبل أن تعرف معنى الهاشتاق، الزكاة ليست فكرة موسمية، بل نظام راسخ، والصدقة ليست مشهداً عابراً، بل سلوك يومي.
في هذا الوطن، تُصرف مليارات على برامج الإسكان، والضمان الاجتماعي، ودعم الغذاء، والعلاج، والتعليم، هناك مؤسسات تعمل بصمت، وقرارات تصدر بلا استعراض، وأسر تستلم مفاتيح بيوتها دون أن تقف أمام منصة تصوير، كثير من الخير هنا لا يعرف طريقه إلى وسائل التواصل لكنه يعرف طريقه جيداً إلى بيوت المحتاجين.
السخرية ليست من العطاء، بل من مهرجان العطاء، ليست من الإعلان حين يكون لتحفيز الناس، بل من الإعلان حين يصبح هو الهدف، حين يتحول المتبرع إلى نجم موسم، ويُختزل المحتاج في خلفية درامية مؤثرة، ندرك أننا خلطنا بين الإنسانية والإنتاج التلفزيوني.
الوطن -بحمد الله- لا يقوم على تبرع فردٍ يبحث عن لقطة، بل على منظومة كاملة ترى في كرامة الإنسان أولوية، الدعم هنا ليس محتوى، بل سياسة، وليس حملة، بل التزام، الفرق كبير بين من يعطي لأن الكاميرا تعمل، ومن يعطي لأن الدولة اختارت ألا يبيت أحد بلا سقف.
الطريف أن بعضهم قد يخسر آلاف الريالات في صفقة ولا يهتز، لكنه يرتبك إن لم تُنشر صورته مع شيك تبرع، كأن القيمة الحقيقية ليست في الرقم المكتوب، بل في عدد المشاركات تحته، ومع ذلك، يبقى الخير أكبر من هذه المشاهد، وأعمق من هذه اللقطات.
لسنا بحاجة إلى إلغاء الصورة، بل إلى إعادة ترتيبها.
ليكن المحتاج في المركز، لا في الهامش.
وليكن الوطن هو البطل الحقيقي، لا زاوية التصوير.
فالبلاد التي جعلت العطاء نظاماً لا موسماً، والتكافل ثقافة لا مناسبة، قادرة على أن تضحك قليلاً من استعراض بعضهم، ثم تواصل عملها بصمت.
ويبقى السؤال بابتسامة خفيفة:
هل نريد أن نرفع أسرة من ضيقها أم نرفع صورتنا في مزاد المشاهدات؟