عبدالعزيز صالح الصالح
كلما يتأمل المرء في عالم المعادن وما تتمخض عنه من أعاجيب ومعجزات، لا يعرفها، ولا يصفها، يبدو أن الصمت يكتنفها والسكون، وليست تحمل دلائل الحركة، ولكن نظرته فاحصة عميقة، يلقيها علي مجموعة متكاملة من نماذج الأحجار المعدنية التي تعطي فكرة عن هذا العالم المليء بالسحر والعجائب إن الأحجار الكريمة المتنوِّعة، والمتلألئة، ليست في الحقيقة إلاَّ نماذج لفلزات معدنية.
تتألق، وتتأجج، وتسطع، وتلمع بتأثير الضوء - أما المكعبات المذهبة من كبريت الحديد، والحجر، والياقوت الأصفر، والأحجار شبه الكريمة الخضر، الشفافة، إلاَّ مجموعة قيِّمة ونادرة من الأحجار الكريمة التي حوتها الطبيعة.
فإن قشرة الكرة الأرضية تخفي في طياتها وجنباتها، معادن وصخوراً، على شكل مجموعة تحف أسطورية، تراقصت فيها الأشكال والألوان، وتناسقت، بشكل يوحي بالعمل الهندسي المبدع، والمتقن، والذي أتقنه يد صانعة قادرة وماهرة.
تبدو أن تراكيب المادَّة الصلبة، صافية نقية، عديمة الحركة: فهناك صخور رمادية اللون، صدفية، أو قرمزية، وهناك رمال بيضاء اللون، أو صفراء اللون، أو حمراء اللون كلها في الحقيقة مركبات أولية لتلك الأحجار الكريمة حيث تكثر هذه المركبات المعدنية في الصخور النادرة أما اللؤلؤة فهي عبارة عن فحمات الكلس، التي تحولت إلى طبقات منتظمة، ورقيقة لها خاصة التألق والإشعاع.
أما الصخر أو الصوان، ليس في الحقيقه إلا أوكسيد السيليسوم، الذي لا يعدو كونه رملاً عادياً، انقلب بعمل بطيء، متواصل في أعماق قشرة الأرض، إلى بلورات صخرية أنيقة، ذات قوام أهيف صاف.
فكل مادة تتكون من ذرات وفلزَّات ومعادن، ذات الصفات المتنوَّعة، والخصائص المميزة، والتي من الصعب حصر أشكالها وصورها وألوانها.
فإن فلزات المعادن، من القسم الأعظم منها مركب من عدد محدود، وضئيل من الجواهر الفردة المختلفة: فبعضها من الماس، والجرانيت ليس في تركيبها إلا نوع واحد من هذه الجواهر؛ فالفحم يوجد في الطبيعة، قاسياً نقياً، لا تشوبه شائبة، هو الماس، كما قد يوجد بشكل عنصر ليِّن، ويستخدم كذلك في أقلام الرصاص، هو الغرافيت.
إذن فالصفات الفيزيائية للمعادن والفلزات، كالقساوة والشفافية، والمقاومة للصدمات، كلها صفات لا تتعلق بالطبيعة الكيميائية فحسب بل هناك عاملاً آخر يلعب دوره الهام في هذا المجال، ويكفي أن نتذكر طبيعة الجوهر الفرد وعالمه اللامتناهي في الصغر حتى نفهم ماهية هذا العامل.
فالفلزات المعدنية، شأن كل مادة تتركب من الجواهر الفردة المتكونه على هيئة ذرات، والذرات تتركب مع بعضها البعض على شكل صفوف متراصة، حيث يمنعها هذا التراص من أن تكون سائلة أو غازية وغالباً ما تكون هذه الأجسام الناجمة عن هذه المكونات الذرية ذات الأشكال الهندسية المنتظمة، سواء كانت مربعة أو مستطيلة أو مثلثة مما جعلها تتكون وتتراص مع بعضها البعض بطريقة منتظمة متقطعة النظير.
فإن جميعها من نفس الشكل الذي تظهر به اللبنة الأولى لهذا التركيب، نحن أمام إبداع هندسي، وتناسق بلغ بقدرة الخالق عزَّ وجلَّ حد الكمال: ففيه كل شي نقي، وصاف، ذو إيقاع خفي، حيث تصدر موجات صغيرة جداً من الإشعاع: إنها سر الحياة الخفية... فهي صفاته التي تنِمُّ عن تركيبه:
فإن سهولة مرور الضوء، أو التيار الكهربائي، عبر الفلز المعدني، الذي يتعلق ببنيته التركيبية كما أن البلورات، وترتيبها، ووصفها، فإنه يحدد مقاومته الفيزيائية، فالماس مثلاً مدين بقساوته، فهي تمثل الحالة الطبيعية المستقرة للمادة الصلبة، وإن بنيتها تفسر النقاط التي حكمت تشكلها.
فإن دنيا المعادن - في مظهرها البارزعديمة الحركة في الحقيقة فهي مهد لحركة دائبة، ومستمرة، بالإضافة إلى الغليان المستمر الذي يسود عالم الجواهر الفريدة، شأنها، شأن كل مادة مهما كان نوعها، وشكلها وتركيبها، فكل هذه الأمور تضع الباحث، أو العالم، أو الهاوي، أمام طبيعة تقدم له نبعاً ثرَّاً لا ينضب من العجائب، والإلهامات، والاكتشافات، إلى جانب الطبيعة الكاملة المتناسقة، حيث تعطي المتفكر والمتأمل درساً بليغاً، تجعله يشعر بسر الحياة.
والله الموفِّقُ والمعين