طارق ماجد بورسلي
في ذكرى انطلاق عملية «عاصفة الصحراء» في 17 يناير عام 1991، تشكّلت لحظة فارقة في التاريخ العربي الحديث، حين توحدت إرادة دولية لتحرير الكويت من الغزو العراقي. وبينما تُستعاد مشاهد الحرب في الذاكرة، تبرز المذكرات العسكرية كوثائق حية تسرد ما دار خلف الكواليس، وتكشف عن تعقيدات القرار العسكري والسياسي، وتباين الرؤى بين قادة التحالف.
من بين أبرز هذه المراجع، يبرز كتاب «مقاتل من الصحراء» للأمير خالد بن سلطان بن عبدالعزيز، قائد للقوات المشتركة ومسرح العمليات، وكتاب الجنرال نورمان شوارتسكوف، قائد القيادة المركزية الأمريكية «It Doesn»t Take a Hero». كلا الكتابين لا يقدمان فقط شهادتين شخصيتين، بل يعكسان رؤيتين استراتيجيتين مختلفتين لحرب واحدة.
يشير القائدان إلى أهمية التنسيق بين الجيوش المشاركة، خاصة بين السعودية والولايات المتحدة، في ظل تحالف غير مسبوق ضم أكثر من ثلاثين دولة. وقد واجه هذا التحالف تحديات سياسية وعسكرية وإعلامية، أبرزها توحيد الرؤى وتوزيع الأدوار. الأمير خالد بن سلطان يبرز الجهد السعودي في قيادة القوات العربية، بينما يركّز شوارتسكوف على إدارة العمليات من منظور القيادة المركزية الأمريكية.
يتفق الطرفان على أن التفوق الجوي كان مفتاح النصر، إذ مهّد الطريق لعملية برية خاطفة. لكن بينما يولي الأمير خالد بن سلطان اهتمامًا خاصًا بتفاصيل العمليات السعودية والمشاركة العربية، يركّز شوارتسكوف على التكتيكات الأمريكية ودور التكنولوجيا العسكرية في حسم المعركة.
يوثّق الأمير خالد خلافات حقيقية مع بعض القيادات الغربية، خاصة بشأن توقيت العمليات ومساراتها، ما يعكس تمسك المملكة باستقلالية قرارها العسكري. في المقابل، يتجنّب شوارتسكوف الخوض في هذه الخلافات، مقدّمًا صورة أكثر انسجامًا للعلاقات داخل التحالف، ما يعكس اختلافًا في أولويات السرد.
تميّزت مذكّرات الأمير خالد بن سلطان بتناولها العميق للواقع الإنساني والسياسي في السعودية والخليج، من خلال سرد يوميات الجنود، وتفاعلات المجتمع مع الحرب. أما شوارتسكوف، فقد ركّز على تحوّلاته الشخصية كقائد، وتأثير الحرب على الرأي العام الأمريكي، ما يعكس اختلافًا في زاوية التناول لا في جوهر الحدث.
الخلاصة:
تكشف مذكّرات الأمير خالد بن سلطان والجنرال نورمان شوارتسكوف عن سرديتين متوازيتين لحرب واحدة، تتكاملان أكثر مما تتعارضان. الأولى تنبع من قلب الصحراء، تنقل نبض الأرض والناس، والثانية تنطلق من غرف القيادة الأمريكية، ترصد الاستراتيجية والتكتيك. وبينهما، تتجلّى حقيقة أن كتابة التاريخ لا تكتمل إلا بتعدد زوايا النظر، وأن النصر لا يُصنع فقط بالسلاح، بل أيضًا بالكلمة، والذاكرة، والرؤية.
** **
- كاتب كويتي