د. عبود مصطفى عبود
في لحظات الاضطراب الإقليمي، حين تختلط الأخبار بالتحليلات، ويتداخل الخوف المشروع مع التهويل غير المسؤول، يصبح لزامًا علينا أن نتكلم بميزان العقل وضمير الأخوّة. والمملكة العربية السعودية، في هذه الأيام التي تظلل فيها المنطقة أجواء الحرب والتوتر، تقف في موضع دقيق يستدعي الدعم الصادق والكلمة العادلة.
ليست السعودية دولة عابرة في جغرافيا الشرق الأوسط، بل هي قلبه الروحي والسياسي والاقتصادي. يكفي أنها تحتضن الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة، لتكون مسؤوليتها مضاعفة، لا تجاه شعبها فحسب، بل تجاه العالم الإسلامي بأسره. وفي زمن الحرب، لا تُختبر قوة الدول بقدرتها على الرد فقط، بل بقدرتها على ضبط النفس، وحماية الداخل، وتغليب الحكمة على الانفعال.
ما تواجهه المملكة اليوم ليس مجرد تحدٍ أمني عابر، بل هو جزء من مشهد إقليمي شديد التعقيد، تتداخل فيه الحسابات العسكرية بالمصالح الاقتصادية، والتوازنات الدولية بالاستقطابات الأيديولوجية. وفي مثل هذا المشهد، يكون أسهل طريق هو الانجراف وراء خطاب التصعيد، وأصعبه هو التمسك بخيار الاتزان. والسعودية -بما تملكه من ثقل سياسي ومكانة دولية- مطالبة بأن تمشي على هذا الخيط الرفيع، بين حماية أمنها القومي، ومنع انزلاق المنطقة إلى فوضى أوسع.
لقد أثبتت التجارب القريبة أن الحروب لا تبقى محصورة في جغرافيتها الأولى. شرارتها قد تشتعل في نقطة، لكن دخانها يمتد ليغطي الإقليم بأكمله. ومن هنا، فإن حرص المملكة على استقرار أسواق الطاقة، وحماية ممرات الملاحة، وصيانة أمنها الداخلي، ليس موقفًا دفاعيًا ضيقًا، بل مساهمة في استقرار عالمي يتأثر بأي اهتزاز في هذه المنطقة الحيوية.
وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أبحث عن خطاب تعبوي، ولا عن مجاملة سياسية، بل عن موقف إنساني عقلاني.
فالشعب السعودي -كسائر شعوب المنطقة- يريد أن يعيش في أمن، وأن يرى أبناءه يكبرون في ظل مدارس لا في ظل صفارات الإنذار، وأن تُصرف موارده في البناء لا في ترميم آثار الدمار. وهذا الحق البسيط هو ما يجب أن يبقى بوصلة أي قرار.
إن دعم السعودية اليوم لا يعني تبنّي كل موقف سياسي دون نقاش، بل يعني الإقرار بحقها في الدفاع عن أمنها، ورفض أي محاولات لجرّها إلى معارك استنزاف طويلة. ويعني كذلك مساندة جهودها في تجنيب المنطقة مزيدًا من الانقسام، ودعم كل مسار يفضي إلى التهدئة والحوار، مهما بدا الطريق شاقًا.
لقد مرت المنطقة بمحطات قاسية خلال العقدين الأخيرين، وتعلمنا -بأثمان باهظة- أن انهيار الدول ليس حدثًا محليًا، بل زلزالًا تتداعى له العواصم تباعًا. ومن هنا، فإن استقرار السعودية ليس شأنًا سعوديًا خالصًا، بل ركيزة من ركائز التوازن الإقليمي. وأي إخلال بهذا التوازن ستكون له تداعيات لا تقف عند حدودها.
إنني أرى في هذه اللحظة فرصة أيضًا، لا تهديدًا فقط. فرصة لتأكيد أن القوة الحقيقية ليست في ارتفاع الصوت، بل في وضوح الرؤية. وأن الدولة الرشيدة هي التي تحمي أمنها، وتُحسن إدارة أزماتها، وتفتح -في الوقت ذاته- نوافذ للحل السياسي، مهما اشتد الغبار في ساحة المواجهة.
ختامًا، أقف بكلمة صادقة إلى جانب المملكة العربية السعودية، لا بدافع عاطفة عابرة، ولا بمنطق الاصطفاف الأعمى، بل إيمانًا بأن استقرارها جزء من استقرارنا، وأن تعقّلها في زمن الحرب مكسب للمنطقة كلها. وفي زمن تتسارع فيه الأحداث، تبقى الحكمة أثمن من الضجيج، ويبقى السلام -مهما تأخر- هو الغاية التي تستحق أن نصبر من أجلها جميعًا.