عبدالرحمن الحبيب
رغم أن روبوتات الدردشة المهذبة هي بلا عاطفة، بل إفراز آلي لما تم تحميله من مجموعات بيانات ضخمة للتفاعلات البشرية، فقد أظهرت العديد من الدراسات الاستطلاعية أن محادثة الأفراد مع الذكاء الاصطناعي كانت أكثر راحة وتعاطفاً من المحادثة مع البشر، لأن هذا الذكاء لا يقاطعك ولا يُصدر أحكاماً عليك ويستخدم كلمات واضحة ومحددة وذات نبرة مريحة ومتعاطفة، أفضل حتى من البشر المتخصصين المدربين على الاستجابة النفسية والاجتماعية؛ ومن ثم قد نتعلم منه طرق تحسين مهارات الاستماع والتهذيب دون إصدار أحكام مستعجلة.
في دراسة عن استخدام الناس للذكاء الاصطناعي التوليدي أجرتها مجلة هارفارد بزنس ريفيو، وجد تحول في الاستخدام من التقني إلى التطبيقات العاطفية من عام 2024 إلى 2025، وظهر أن العلاج النفسي والرفقة (الصداقة) كانا الاستخدام الأكثر شيوعًا للذكاء الاصطناعي التوليدي، تلاهما في المركز الثاني «تنظيم حياتي» وهو حالة استخدام جديدة، ثم «إيجاد هدف» وهو أيضاً حالة استخدام جديدة، بينما تراجع استخدام توليد الأفكار من المركز الأول إلى السادس، وتراجع «بحث محدد» من المركز الثالث إلى الثالث عشر.
أظهرت الدراسة أنه حتى عندما كشف الباحثون عن هوية مُعدّي الردود بأنه ذكاء اصطناعي، واصل المُقيّمون يُقيّمون ردوده على أنه أكثر تفهمًا واهتمامًا مقارنة بالمحادثة البشرية، مما يوضح مدى حاجة الأفراد إلى من ينصت لهم دون مقاطعة أو معارضة أو نبرة تحدِّ؛ ذلك أيضاً يكشف عن قصورنا البشري في مهارات الاستماع، ومن ثم حاجتنا نحن البشر على التعلم من طريقة الذكاء الاصطناعي، بالتأني وحسن الإنصات والتفهم العاطفي مع من يحاورنا. تؤكد الدراسات أن كل تلك النتائج والاستنتاجات لا تعني بأي حال من الأحوال أن نستبدل العلاقات الإنسانية الحقيقية بنماذج لغوية ضخمة، بل تشير إلى وجود بعض الدروس التي يمكننا نحن البشر استخلاصها من هذه الأنظمة المبرمجة.
هل لاحظت يومًا كيف أن تغيير بضع كلمات فقط يُغير تمامًا رد الذكاء الاصطناعي؟ تخيل، الأمر نفسه ينطبق على البشر! هذا ما يقوله جاراد رويدر الخبير الدولي في القيادة الرقمية والتحول المدعوم بالذكاء الاصطناعي موضحاً أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يُقدم بيئةً رائعةً للتجربة: عدّل السؤال، وغيّر طريقة صياغته، ولاحظ فورًا كيف تتغير النتائج.. إنه مثالٌ قويٌّ على أمرٍ نُجرّبه يوميًا ولكن نادرًا ما نتوقف لنُمعن النظر فيه، فاختيارنا للكلمات وصياغة كلامنا يُؤثر بشكلٍ كبيرٍ على ردود الآخرين.
يقول رويدر: «الطريقة التي نطرح بها السؤال أو نقدّم المعلومات تؤثر بشكل كبير على شعور أعضاء الفريق بالقدرة على التعبير عن آرائهم، أو الاعتراض، أو تقديم أدلة تُفنّدها، فالقادة الذين يُتقنون صياغة تواصلهم بوعي يُشجعون الحوار المفتوح، ويُعززون بيئة آمنة نفسياً، ويرحبون بوجهات النظر المتنوعة، مما يُؤدي في نهاية المطاف إلى اتخاذ قرارات أفضل ونتائج أكثر ابتكاراً.»
ليست فقط تحسين مهارات الحوار، فالذكاء الاصطناعي يتيح لنا مجالات جديدة ويوسع مداركنا ويحفز نشاطنا الذهني والإبداعي، ففي المجال الفني والأدبي مثلاً أظهرت العديد من الدراسات الاستطلاعية أنه عند استماع المستطلعين لأعمال فنية من أغانٍ وشعر وقصة دون علمهم لطبيعة المؤلف (إنسان أم آلة) كان تفضيل غالبيتهم للأعمال الفنية التي أنتجها الذكاء الاصطناعي؛ فهل يمكن الاستفادة من أساليب جديدة يبدعها تمازج الذكاء البشري مع الاصطناعي؟ الكاتب الفلسفي والمؤلف الإيطالي أندريا كولاميديتشي يرى أن ذلك ممكن وينبغي عمله.
كولاميديتشي طرح نظرية لطريقة تفكير جديدة في كتابه الذي صدر العام الماضي عن التفكير النقدي، فحواها أن التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي يساعدنا على فهم كيفية إنتاج أفكار مختلفة عندما نعمل معًا - بشرًا وآلات - بدلًا من الاعتماد كليًا على مؤلف واحد أو عقل فردي؛ يقول المؤلف إن تجربته في التأليف المشترك بين البشر وآلات الذكاء الاصطناعي تشير إلى أننا «ننتقل أيضاً إلى أشكال من التأليف الموزع، حيث لم يعد النص نتيجة عقل واحد، بل ثمرة نظام إدراكي معقّد؛ لا أقصد هنا التعاون في التأليف بين أفراد فهو نموذج معروف منذ القدم، بل عن تطوّر مشترك بين أشكال مختلفة من الذكاء تنتج الفكر من خلال تفاعلها».
الذكاء الاصطناعي يتطور دون هوادة ليُؤدي أنواعًا من الأعمال الإبداعية والمبتكرة التي كان البشر وحدهم قادرين على القيام بها، بل ويتفوق عليهم أحياناً، إلا أنه يخفق أحياناً لينتج عنه أخطاء فادحة بسبب سوء التعامل والاستخدام من البشر تجاه أجهزة الذكاء الاصطناعي التي ينبغي أن نتفاعل معها كزملاء عمل ومعلمين ومدربين، أي كبشر مثلنا كما يقترح بروفيسور دراسة الأعمال بجامعة بنسلفانيا إيثان موليك.